فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 400

أولادهم، وأولادهم علموا أولادهم، ولو كان كذلك لاتصلت. ونحن نجد بني الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى والأب واحد، لا يقال: إنه علّم أحد بنيه لغة وابنه الآخر لغة، فإن الأب قد لا يكون له إلا ابنان واللغات في أولاده أضعاف ذلك، والذي أجرى الله عليه عادة بني آدم أنهم إنما يعلِّمون أولادهم لغتهم التي يخاطبونهم بها أو يخاطبهم بها غيرهم. فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها فلا يعلّمونها أولادهم. وأيضًا فإنه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم، والعلماء من المفسرين وغيرهم لهم في الأسماء التي علّمها الله آدم قولان معروفان عن السلف:

أحدهما: أنه إنما علَّمه أسماء من يعقل واحتجوا بقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} [البقرة: 31] ، قالوا: وهذا الضمير لا يكون إلا لمن يعقل، وما لا يعقل يقال فيها: عرضها، ولهذا قال أبو العالية: علمه أسماء الملائكة؛ لأنه لم يكن حينئذ من يعقل إلا الملائكة، ولا كان إبليس قد انفصل عن الملائكة ولا كان له ذرية. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: علّمه أسماء ذريته، وهذا يناسب الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أن آدم سأل ربه أن يريه صور الأنبياء من ذريته فرآهم ورأى فيهم من يَبَصُّ فقال: يا رب من هذا؟ قال: ابنك داود) (221) ، فيكون قد أراه صور ذريته أو بعضهم وأسماءهم. وهذه أسماء أعلام لا أجناس.

والقول الثاني: أن الله علَّمه أسماء كل شيء، وهذا قول الأكثرين كابن عباس وأصحابه، والدليل على ذلك ما ثبت في"الصحيحين" (222) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في حديث الشفاعة: (إن الناس يقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلَّمك أسماء كل شيء) ، وأيضًا قوله: {الأَسْمَاء كُلَّهَا} ، لفظ عام مؤكِّد فلا يجوز تخصيصه بالدعوى، وقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} [البقرة: 31] ؛ لأنه اجتمع فيهم من يعقل ومن لا يعقل فغلب من يعقل. وقال عكرمة: علّمه أسماء الأجناس دون أنواعها؛ كقولك: إنسان وجن وملك وطائر. وقال مقاتل وابن السائب وابن قتيبة: علّمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب والهوام والطير.

ومما يدلّ على أن هذه اللغات ليست متلقاة عن آدم أن أكثر اللغات ناقصة عن اللغة العربية، ليس عندهم أسماء خاصة للأولاد والبيوت والأصوات وغير ذلك مما يضاف إلى الحيوان، بل إنما يستعملون في ذلك الإضافة، فلو كان آدم -عليه السلام- علّمه الجميع لعلمها متناسبة. وأيضًا فكل أمّة ليس لها كتاب في لغتها أيام الأسبوع، وإنما يوجد في لغتها اسم اليوم والشهر والسنة؛ لأن ذلك عرف بالحسّ والعقل فوضعت له الأمم الأسماء لأن التعبير يتبع التصوّر.

وأما الأسبوع فلم يعرف إلا بالسمع، لم يعرف أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش إلا بإخبار الأنبياء الذين شرع لهم أن يجتمعوا في الأسبوع يومًا يعبدون الله فيه، ويحفظون به الأسبوع الأول الذي بدأ الله فيه خلق هذا العالم؛ ففي لغة العرب والعبرانيين ومن تلقى عنهم أيام الأسبوع، بخلاف الترك ونحوهم فإنه ليس في لغتهم أيام الأسبوع لأنهم لم يعرفوا ذلك فلم يعبروا عنه. فعلم أن الله ألهم النوع الإنساني أن يعبّر عما يريده ويتصوره بلفظه وأن أول من عُلِّم ذلك أبوهم آدم، وهم عُلِّموا كما عُلِّم، وإن اختلفت اللغات. وقد أوحى الله إلى موسى بالعبرانية وإلى محمد بالعربية، والجميع كلام الله. وقد بيّن الله بذلك ما أراد من خلقه وأمره، وإن كانت هذه اللغة ليست الأخرى، على أن العبرانية من أقرب اللغات إلى العربية حتى إنها أقرب إليها من لغة بعض العجم إلى بعض، فبالجملة نحن ليس غرضنا إقامة الدليل على عدم ذلك، بل يكفينا أن يقال: هذا غير معلوم وجوده، بل الإلهام كان في النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة. وإذا سمّي هذا توقيفًا فليسمى توقيفًا، وحينئذ فمن ادّعى وضعًا متقدمًا على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به. وإنما المعلوم بلا ريب هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت