فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 400

الاستعمال، ثم هؤلاء يقولون: تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ، فإذا دل اللفظ بمجرده فهو حقيقة، وإذا لم يدل إلا مع القرينة فهو مجاز وهذا متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم.

ثم يقال: ثانيًا: هذا التقسيم لا حقيقة له (يعني تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز) ، وليسلمن فرق بينهما حد صحيح يميّز به بين هذا وهذا؛ فعلم أن هذا تقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول، بل يتكلّم بلا علم، فهم مبتدعة في الشرع مخالفون في العقل. وذلك أنهم قالوا: الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وُضع له. والمجاز هو المستعمل في غير ما وُضع له، فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال، وهذا يتعذّر.

ثم يقسّمون الحقيقة إلى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث: لغوية وشرعية وعرفية؛ فالحقيقة العرفية هي ما صار اللفظ دالًا فيها على المعنى بالعرف لا باللغة. وذلك المعنى تارة يكون أعم من اللغوي وتارة أخص، وتارة يكون مباينًا له لكن بينهما علاقة استُعمل من أجلها؛ فالأول: مثل لفظ الرقبة والرقبة والرأس ونحوهما كان يستعمل في العضو المخصوص ثم صار يُستعمل في جميع البدن. والثاني: مثل لفظ الدابة ونحوها كان يستعمل في كل ما دب ثم صار يُستعمل في عرف الناس في ذوات الأربع. وفي عرف بعض الناس في الفرس وفي عرف بعضهم في الحمار. والثالث: مثل لفظ الغائط والظعينة والرواية والمزادة، فإن الغائط في اللغة هو المكان المنخفض من الأرض، فلما كانوا ينتابونه لقضاء حواجئهم سموا ما يخرج من الإنسان باسم محلّه. والظعينة اسم الدابة، ثم سّموا المرأة التي تركب الدابة باسمها ونظائر ذلك.

والمقصود أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها. ولكن تلكم بها عن بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفي، ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال، ولهذا زاد من زاد منهم في حدّ الحقيقة في اللغة التي بها التخاطب، ثم هم يعلمون ويقولون: أنه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ، فيصير المعنى العرفي أشهر فيه، ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة لحقيقة اللغوية، واللفظ المستعمل في هذا الاستعمال الحادث للعرفي، وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع، فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح.

وقد أطال الشيخ في هذا الموضوع وهو إنكار أن يكون في اللغة العربية حقيقة ومجاز وذلك لأمور، أولًا: أن هذا التقسيم لا دليل عليه. ثانيًا: أنه لم يعرف عن أحد من المتقدمين. ثالثًا: أن هذا التقسيم لا يصح إلا إذا علم أصل وضع اللغة وأنه حدّد للألفاظ معاني ومسمّيات إذا استعملت فيها، فذلك الاستعمال حقيقة. وإذا استعملت في غيرها فذلك الاستعمال مجاز. ومن يثبت هذا التحديد حيث رجح الشيخ -رحمه الله- أن اللغات ليست توفيقية حتى تتمّ هذه الدعوى، وذكر لذلك أمثلة، وأجاب عن احتجاج من احتجّ بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} ، بأنه ليس المراد تعليمه أسماء كل شيء إلى أن تقوم الساعة، وإنما علمه أسماء أشياء معيّنة اختلف المفسّرون في تحديدها، وعليه فلا حجّة مع من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز.

وحينئذ (223) فكل لفظ موجود في كتاب الله ورسوله، فإنه مقيّد بما يبيّن معناه، فليس في شيء من ذلك مجاز، بل كلّه حقيقة، ولهذا لما ادّعى كثير من المتأخّرين أن في القرآن مجازًا وذكروا ما يشهد لهم ردّ عليهم المنازعون جميع ما ذكروه، فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف: 77] ، قالوا: والجدار ليس بحيوان، والإرادة إنما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز. فقيل لهم: لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لا شعور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت