بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف، وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لا بد من أن يَسْلم دليل ذلك الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصًا قاطعًا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وإنما أراد مجازه، سواء عيّنه أم لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي فُهم فيه الاعتقاد والعلم دون عمل الجوارح. فإنه - سبحانه وتعالى - جعل القرآن نورًا وهدىً وبيانًا للناس وشفاء لما في الصدور. وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا وأنصحهم للأمة وأبينهم للسنة؛ فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلًا يمنع من حمله على ظاهره؛ إما أن يكون عقليًا ظاهرًا مثل قوله: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] ، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها. وكذلك قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم. أو سمعيًا: ظاهرًا مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر، ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره لأن هناك دليلًا خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره؛ كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالأحاجي والألغاز أشبه منه بالهدى والبيان. فكيف إذا كان دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟ أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟
قال الشيخ - رحمه الله: فسلَّم لي ذلك الرجل هذه المقامات.
أي أن هذا الرجل الذي طلب من الشيخ المناظرة على وجوب تأويل الصفات سلّم للشيخ أن تأويلها باطل، لأنه لم يُبنَ على أصول صحيحة وأدلة مقنعة، وإنما شبهات وأهواء أو تقليد أعمى، أخذه الآخر عن الأول من غير بصيرة كما هو حال كثير من المعاصرين الذين أخذوا عقيدة المعتزلة أو الكلابية وسموها عقيدة التوحيد أو علم التوحيد، ونسبوها ظلمًا إلى الأشعري وهو قد تاب منها والتزم عقيدة أهل السنة. وهذه العقيدة التي توارثوها لا تعدو إثبات توحيد الربوبية، ولم يثبتوه تامًا، بل حذفوا منه الصفات الإلهية أو الأسماء والصفات؛ فأصبح توحيدًا ناقصًا لا يزيد عن توحيد المشركين الذين يقرون بالربوبية.
قال الشيخ: ونحن نتكلم على صفة من الصفات ونجعل الكلام فيها أنموذجًا يحتذى عليه، ونعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] ، وقال تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] ، وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] ، وقال: بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ