فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 400

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26] ، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس: 71] ، وقد تواتر في السنة مجيء اليد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة، وإبليس وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السماوات بيده اليمنى، وأن {يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ، ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن العطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها وتركه يكون ضمًا لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية: إذا قيل: هو مبسوط اليد؛ فهم منه يد حقيقية، وكان ظاهره الجود والبخل، كما قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] ، ويقولون: فلان جعد البنان وسبط البنان. فالقائل: إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين فهذا حق، وإن زعم أنه ليس له يد زائدة عن الصفات السبع فهو مبطل فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة:

أما الأول: فيقول إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية؛ تسميةً للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: لفلان عنده أياد، وقول أبي طالب لما فقد النبي - صلى الله عليه وسلم:

يا رب رد راكبي محمدًا * * رده علي واصطنع عندي يدا (49)

وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك (50)

وقد تكون اليد بمعنى القدرة تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك اليد. يقولون: فلان له يد في كذا وكذا. ومنه قول زياد لمعاوية: إني قد أمسكت العراق بإحدى يديَّ ويدي الأخرى فارغة، يريد نصف قدرتي ضبط أمر العراق. ومنه قوله: {بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] ، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه.

وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} إلى قوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 181، 182] والعرب تقول: يداك أوكتا وفوك نفخ، توبيخًا لكل من جر على نفسه جريرة لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيده وفمه.

قلت له (51) "يقول الشيخ لمناظره": ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله. والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا في أسمائه وآياته تأولوا قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ، وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] على هذا كله؛ فقالوا: إن المراد نعمته؛ أي: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. وقالوا: بقدرته. وقالوا: اللفظ كناية عن نفس الجود من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ؛ أي: خلقته أنا وإن لم يكن هناك يد حقيقة. قلت له: فهذه تأويلاتهم قال: نعم. قلت له: فننظر فيما قدمنا:

المقام الأول: أن لفظ اليدين بلفظ التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن في لغة القوم استعمال الواحد في الجمع كقوله: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] ، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173] ، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت