فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 400

الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل ويعني رجلين، ولا عندي رجلان ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجميع في معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد، فقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ؛ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة. ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.

ولا يجوز أن يكون"لما خلقت أنا"لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] ، {قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182] ، ومنه قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71] .

أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل وعدّى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ؛ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه، ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك. ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كأن ذلك زيادة محضة من غير فائدة. ولست تجد في كلام العرب ولا العجم - إن شاء الله - أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيديَّ، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها، وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة.

هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل. لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؛ فإن قلت: لأن اليد هي الجارحة، وذلك ممتنع على الله سبحانه؛ قلت: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين وهذا لا ريب فيه، لكن لم لا يجوز أن يكون له"يد"تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟

قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا.

قلت: فإذا كان هذا ممكنًا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به وصحت الدلالة سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره"يد"يستحقها الخالق كالعلم والقدرة بل كالذات والوجود.

وقلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره أو الظاهر غير مراد؟ أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة، بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه، أما انتفاء يد تليق بجلاله فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه.

وكذلك هل في الفعل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة لا يدًا تليق بجلاله ولا يدًا تناسب المحدثات؟ وهل فيه ما يدل على ذلك أصلًا، ولو بوجه خفي؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية عند من يدعيه، وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة. فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد؟ وأن الله تعالى خلق بيده؟ وأن يداه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت