مبسوطتان وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى؟ ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولي الأمر لا يبينون للناس أن هذا لا يراد به حقيقته ولا ظاهره! حتى ينشأ جهم بن صفوان بعد انقراض عصر الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث، ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق؟ وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - كل شيء حتى الخراءة، ويقول: (ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به) (52)
(ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به، تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (53) ، ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟ وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمروها كما جاءت، مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب؟ حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار!
وقلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة ما يبين لك أن لله يدين حقيقة؛ فمن ذلك تفضيله لآدم؛ يستوجب سجود الملائكة وامتناعهم عن التكبر عليه، فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته أو مجرد إضافة خلقه إليه لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات.
قال لي: فقد يضاف الشيء إلى الله على سبيل التشريف كقوله: {نَاقَةُ اللّهِ} [الأعراف: 73] ، وبيت الله.
قلت له: لا تكون الإضافة تشريفًا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره، فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك. فإضافة خلق إليه أنه خلقه بيديه يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه، وخلق هؤلاء بقوله: {كُن فَيَكُونُ} [الأنعام: 73] ، كما جاءت به الآثار. ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو: عملته يداك؛ فهما شيئان أحدهما: إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليهما، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى ولا يد الماء، فهب أن قوله: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] قد علم منه المراد بقدرته لكن لا يجوز ذلك إلا لمن له يد حقيقة، والفرق بين قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، وقوله {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] من وجهين:
أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه وبيّن أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] أي: يديهما. وقوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] أي قلباكما. فكذلك قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] .
قلت: فقد أفحم الشيخ - رحمه الله - بهذه الأدلة وهذه المناقشة خصومه من نفاة الصفات وردهم على أعقابهم، فلله دره من إمام جليل وعالم نحرير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ناصر دينه، ومقيض أمثال هذا الإمام.