ولكن في وقتنا هذا كثر المتطفلون على علم الحديث فصاروا يحرمون العمل بالحديث الضعيف مطلقًا بل لا يجيزون مجرد قراءته، وهذا خلاف ما عليه الأئمة من علماء هذه الأمة. وهي فكرة خطيرة يخشى أن تتطور إلى ترك العمل بالنسبة نهائيًا كما ينادي به أعداء الإسلام. والأمر جاء من التشدد والتطفل على العلم، وخير الأمور أوساطها.
ثم قال الشيخ - رحمه الله - عن الأحاديث التي تروى في التوسل بالمخلوقين: والأحاديث التي تروى في هذا الباب - وهو السؤال بنفس المخلوقين - هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا يوجد من أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها، مثل الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (قل! اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وبإبراهيم خليلك وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك، وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود، وفرقان محمد، وبكل وحي أوحيته وقضاء قضيته. . . .) ، وذكر تمام الحديث. وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدري في"جامعه"، ونقله ابن الأثير في"جامع الأصول"ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين، لكنه قد رواه من صنف في"عمل اليوم والليلة"كابن السني، وأبي نعيم، وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء.
وقد رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب"فضائل الأعمال"وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة، ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال: حديث حسن، مع أنه ليس بالمتصل، قال أبو موسى: ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده عن الصديق - رضى الله عنه -، وعبد الملك ليس بذاك القوي، وكان بالرَّيِّ، وأبوه وجده ثقتان.
قال الشيخ ابن تيمية: قلت: عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب، قال يحيى بن معين: هو كذاب. وقال السعدي: دجال كذاب. وقال أبو حاتم بن حبان: يضع الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أحمد بن حنبل: ضعيف (38)
ثم ذكر الشيخ بقية أقوال العلماء فيه وفي النهاية أنه متروك؛ إما لتعمده الكذب، وإما لسوء حفظه وأنه لا حجة فيما يرويه. قال: ومثل ذلك الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعًا وموقوفًا عليه: (أنه لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال: وكيف عرفت محمدًا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك؛ رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم. ولولا محمد ما خلقتك) . وهذا الحديث رواه الحاكم في"مستدركه" (39) من حديث عبد الله بن مسلم الفهري عن إسماعيل بن سلمة عنه. قال الحاكم: هو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن في هذا الكتاب. وقال الحاكم: هو صحيح.
قال الشيخ: قلت: ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإنه نفسه قد قال في كتاب"المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم": عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.