قال الشيخ: وعبد الرحمن بن زيد أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا. وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا أنكره عليه أهل العلم.
قال - رحمه الله - (40) : وهذا الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير إسناد وما هو من جنسه مع زيادات أخر؛ كما ذكر القاضي عياض، قال: وحكى أبو محمد المكي وأبو الليث السمرقندي وغيرهما: (أن آدم عند معصيته قال: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي - قال: ويروى: تقبل توبتي - فقال الله له: من أين عرفت محمدًا؟ قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله - قال: ويروى: محمد عبدي ورسولي - فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب عليه وغفر له) .
ومثل هذا لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين؛ فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التي لا تعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار المبتدأ وقصص المتقدمين عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين، فكيف إذا نقلها من لا ينقلها لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين؟ بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه، واضطرب عليه فيها اضطرابًا يعرف أنه لم يحفظ ذلك، ولا ينقل ذلك، ولا من يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على نقلهم. وإنما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في كتاب"المبتدأ"، وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعًا لهم، وحينئذٍ فكان الاحتجاج بها مبنيًا على أن شرع من قبلنا؛ هل هو شرع لنا أو لا؟ والنزاع في ذلك مشهور. لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا: من نقلٍ ثابتٍ عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -، أو بما تواتر عنهم، لا بما يروى على هذا الوجه؛ فإن هذا لا يجوز أن يَحْتجَّ به في شرع المسلمين أحدٌ من المسلمين.
قال الشيخ - رحمه الله: ومن هذا الباب حديث ذكره موسى (41) بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب"التفسير"بإسناده عن ابن عباس مرفوعًا أنه قال:" (من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ويدعو به في أدبار صلواته: اللهم إني أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك ولا يسأل، وأسألك بحق محمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك. . .) "، وذكر تمام الدعاء.
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين؛ قال أبو أحمد بن عدي فيه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم بن حبان: دجال يضع الحديث. وقال فيه يحيى بن معين: كذاب. وقال الدارقطني: متروك.
ثم ذكر الشيخ لهذا الحديث رواية أخرى. ثم قال: قلت: وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء.
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - أن من المصنفين من يذكر ما يروى في الباب سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا مما يرد في الفضائل ويجعلون العهدة من ذلك على الناقل كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات، ومن العلماء من يروي أمثال هذه الأحاديث على عادته الجارية ليُعرف ما رُوي في ذلك الباب، لا ليحتج بكل ما روي، وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول: غريب ومنكر وضعيف وقد لا يتكلم. وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم مثل مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني