فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 400

والبخاري، وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي وابن خزيمة وابن المنذر، وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري، وغير هؤلاء، فإن هؤلاء الذين يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها.

إلى أن قال - رحمه الله: والمقصود أنه ليس في هذا الباب - يعني التوسل بالأشخاص - حديث واحد مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتمد عليه في مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه، بل المروي في ذلك إنما يَعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات، إما تعمدًا من واضعه وإما غلطًا منه.

إلى أن قال الشيخ - رحمه الله: وفي الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى منامًا قيل له فيه: ادع بكذا وكذا، ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلًا باتفاق العلماء. وقد ذكر بعض هذه الحكايات من جمع الأدعية ورُوي في ذلك أثر عن بعض السلف.

ثم قال الشيخ: وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود يدل على أنه سائغ في الشريعة؛ فإن كثيرًا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم، وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك ويدعون التماثيل التي في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضهم. فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحًا فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها. كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة لكن لما كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر الشارع به فهذا أصل يجب اعتباره، ولا يجوز أن يكون الشيء واجبًا أو مستحبًا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه، والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة. فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة، والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرًا مباحًا.

يعني - رحمه الله - وما دام أن الدعاء عبادة فإنه لا يجوز أن يدخل فيه شيء إلا بدليل لأن العبادات توقيفية، والتوسل بالأشخاص في الدعاء أمر مبتدع لم يقم عليه دليل فلا يجوز، وبهذا يتبين غلط من يقول: إن التوسل مسألة فرعية وأن المخطئ فيه كالمخطئ في المسائل الفرعية! وهذا القول باطل؛ لأن الدعاء من أعظم أنواع العبادة فهو من العقيدة، لا من الفروع والخطأ فيه خطأ في العقيدة، والله المستعان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1) - رحمه الله: كنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استفتيت عن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فكتبت في ذلك جوابًا مبسوطًا، وقد أحببت إيراده هنا لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت