في ذلك من مزيد الفائدة؛ فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم مادة الشرك والغلو كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان.
وصورة السؤال: المسئول من السادة العلماء أئمة الدين أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين.
وصورة الجواب: الحمد لله رب العالمين. أجمع المسلمون على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة، ثم أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق علي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن من أنه - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضًا لعموم الخلق - يعني في فصل القضاء بينهم - فله - صلى الله عليه وسلم - شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين. لكن ما له فيها أفضل مما لغيره؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق وأكرمهم على ربه - عز وجل -، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه. ومن ذلك المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة. منها في"الصحيحين"أحاديث متعددة وفي"السنن"و"المسانيد"مما يكثر عدده.
وأما الوعيدية من المعتزلة والخوارج فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع بعض الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقًا. وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به، ويتوسلون به في حياته بحضرته كما ثبت في"صحيح البخاري" (2) عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. وفي البخاري أيضًا عن ابن عمر أنه قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقى فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل (3)
والتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسرًا في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته، ونحن نقدمه بين أيدينا شافعًا وسائلًا لنا بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه؛ فإنه كان يدعو للمتوسِّل به المستشفع به والناس يدعون معه؛ كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا. فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه وقال: (اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! اللهم أغثنا) ، وما في السماء قزعة فنشأت سحابة من جهة البحر فمطروا أسبوعًا لا يرون فيه الشمس، حتى دخل عليهم الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله انقطعت السبل وتهدم البنيان فادع الله يكشفها عنا. فرفع يديه وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية) ، فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب. والحديث مشهور في"الصحيحين"وغيرهما (4)
وفي حديث آخر من"سنن أبي داود"وغيره: أن رجلًا قال له: إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه وقال: (ويحك أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه. شأن الله أعظم من ذلك) (5) وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، هو: استشفاع بدعائه وشفاعته ليس هو السؤال بذاته؛ فإنه لو كان هذا