فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 725

وإن قيل: بل هذا الواجب تقوم به أمور اختيارية، هي سبب حدوث الحوادث - أمكن أن يقال مثل هذا في الواجب بنفسه الحق، فلا حاجة إلى إثبات ربٍّ ثانٍ واجبٍ بنفسه، مع أنه معلوم الامتناع بصريح المعقول وصحيح المنقول.

فحقيقة قول هؤلاء في حركات الأفلاك من جنس قول القدرية في أفعال الحيوان، مع أنهم ينكرون على القدرية قولهم، والقدرية خير منهم؛ فإن الحيوان يَعْلَم الناسُ أنه متحرك باختياره وقدرته بالضرورة، بخلاف الفَلَك، ويعلمون ما يحدث بأفعاله بخلاف الفَلَك.

فقول هؤلاء باطل من وجوه:

منها، أنهم جعلوا جميع الحوادث لا سببَ لها إلا حركة الفلك، وهذا باطل قطعًا.

ومنها، أنهم أخرجوا الفاعل عن أن يكون فاعلًا، وسوَّوْا بين صفاته اللازمة له بأعيانها وبين أفعاله التي يفعلها منفصلةً عنه، لا سيما وهو فاعل لها بقدرته ومشيئته.

أما الأول فلأن غاية حركة الفلك أن تكون سببًا في حدوث أمور حادثة، والأسباب الموجودة في العالم ليس فيها شيء مستقل بالتأثير؛ بل كلٌّ منها لَا بُدَّ له من شريك معاون وله معارض مانع؛ فإن لم تحصل الشروط وتنتفِ الموانع، لم يحصل المسبَّب.

وهؤلاء غايتهم أن يثبتوا سببًا، لم يثبتوا معه الأسباب1 التي هي شروط له، ولم ينفوا الموانع المعارضة.

وهذا شأنهم دائمًا في جميع الحوادث، مثل إضافتهم لما يضيفونه إلى الطبيعة، والطبيعة هي قوةٌ في الجسم؛ فغايتها أن تكون سببًا مفتقرًا إلى أمور أخرى تنضم إليها، ولها موانعُ معارضةٌ تدفع مقتضاها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت