ووضوحها، وكونها من المقدمات الضرورية؛ مثل امتناع الدَّوْر القَبْلِي وتسلسل الفاعل؛ فإن أكثر النُّظَّار لم يحتاجوا إلى تقدير ذلك بالدليل؛ لكونه من العلوم الضرورية التي تحصل عند التصور التام حصولًا لا يمكن دفعه، وإنما تشتبه على بعض الناس لعدم التصور التام المستلزم للعلم الضروري، وقد يكون بعض النُّظَّار يترك تقدير بعض المقدمات لأسباب أُخَر.
وكان عادة بعض النُّظَّار يأخذون وجوب كون الصانع قادرًا حال الانفراد مُسَلَّمًا؛ لأن كل واحد يعلم أن الصانع لا بُدَّ أن يكون قادرًا، وأن المشترِكَين المتعاوِنَين على الفعل لا بُدَّ أن تكون لأحدهما قدرة على معاونة الآخر، وتلك القدرة حاصلةٌ حالَ انفراده -وإن كانت بمشاركة الآخر تزيد القوة- وإن لم تكن له حال الانفراد1 قوة فما يحدث حال الاجتماع لا بُدَّ فيه من سبب ثالث؛ ولهذا لم يحتج بيان القرآن إلى ذكر هذه المقدمة لظهورها.
إذا تبين هذا ظهر امتناع وجود خالِقَيْن من وجوه متعددة:
الوجه الأول]:
أحدها: أن يقال: إذا كان كلٌّ منهما قادرًا حال الانفراد: فقدرته من لوازم ذاته؛ ليست مستفادةً مِنْ غيره، وقد فرضنا أنهما متماثلان -إذْ التقدير الآخر سيأتي الكلام عليه- فلا بُدَّ حينئذٍ أن يَقْدِر2 كلٌّ منهما حال انفراده على ما يَقْدِر عليه الآخر حالَ الانفراد، وإلا لم يكونا متماثلَيْن.
وإذا كان كذلك، فعند الاجتماع إمَّا [أن] لا تبقى3 قدرة كلٍّ منهما كما كانت وإمَّا أن تبقى؛ فإن كان الأول لزم أن يَقْدِر كلٌّ منهما على كلِّ ما يَقْدِر عليه الآخر حال الاجتماع، لكن هذا ممتنع لذاته؛ لأن أحدهما