حادثًا بغير إحداث الله؛ ويجعلون ذلك المحدِث مستقلًّا لا يفتقر إلى مشارك.
وأما مقابلوهم -المائلون إلى الجبر- فأثبتوا أن الله خالق كل شيء وربُّه ومليكه، وهذا جيد، لكن نفوا تأثير الأسباب والحِكم في الجماد والحيوان، وأنكروا أن يكون للحيوان -الإنسان أو غيره- فعل يفعله بقدرته.
وحقيقة قول هؤلاء ترجيح أحد المتماثلين بلا مُرَجِّح؛ وحدوث الحوادث بلا سبب أصلًا.
وقول هؤلاء وهؤلاء مع ما فيه من الخطأ والفساد؛ فهو خير من قول أولئك المتفلسفة وأهل الطبع والنجوم من وجوه:
فإن قول أولئك يتضمن ما يتضمنه قول هؤلاء وقول1 هؤلاء، من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مُرَجِّح، ومن حدوث الحوادث بلا سبب، ويزيد عليه بأنه يتضمن حدوث جميع الحوادث بلا محدِث أصلًا.
ويتضمن إضافتهم الحوادث إلى ما لا يُعلم ثبوته، بل يُعلم انتفاؤه من الأسباب.
ويتضمن أنهم يجعلون السبب مستقلًّا بالإحداث، مع افتقاره إلى شريك يعاونه، ومانع يعارضه، وافتقاره إلى محدِث يحدثه؛ فلا يثبتون لا محدِثه ولا شريكه2 ولا مانعه، بل يضيفون إلى السبب المحدَث الذي له شركاء وموانع، وحصول الأثر به موقوف على فعل الله تعالى - يضيفون إليه مع هذا، ما هو مخلوق للرب الذي لا شريك له ولا ضد له ولا رب له.
ولهذا كان إلحادُ هؤلاء ظاهرًا3 عند أهل الملَّة، بخلاف الأولين، فإنهم معدودون من أهل البدع.