وأما السفسطة في العقليات فظاهرة؛ فإنه من المعلوم بصريح العقل امتناع ارتفاع النقيضين1 جميعًا، وأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، فمن قال: إنه لا يصف الرب بالإثبات؛ فلا يقول: «إنه حي عليم قدير» ولا يصفه بالنفي؛ فلا يقول: «ليس بحي عليم قدير» - فقد امتنع عن
النقيضين جميعًا، والامتناع عن النقيضين كالجمع بين النقيضين؛ فإن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.
[مقالة أبي يعقوب السجستاني القرمطي في كتابه «الأقاليد الملكوتية» في رفع النقيضين عن الله تعالى، والتعليق عليها] :
وهذا مما رأيته قد اعتمد عليه أئمة القرامطة، كصاحب كتاب «الأقاليد الملكوتية» أبي يعقوب السِّجِسْتَاني2؛ فإنهم قالوا: نحن لم نجمع3 بين النقيضين؛ فنقول: إنه حي وليس بحي. بل رفعنا النقيضين؛ فقلنا: لا موصوف ولا لا موصوف.
قال هذا القَرْمَطِي المصنِّف -الذي رأيته من أفضل هؤلاء القرامطة-: «الإقليد العاشر: في أن من عَبَدَ اللهَ بنفي الصفات والحدود لم يعبده حق عبادته؛ إذ عبادته واقعة لبعض المخلوقين؛ فإن قومًا من الأوائل وجماعة من فِرَق الإسلام لم يعبدوا الله حق عبادته، ولم يعرفوه بحقيقة المعرفة؛ فقالوا: إن الله غير موصوف ولا محدود ولا منعوت ولا مَرْئِي ولا في مكان. وتوهموا أن هذا المقدار تمجيد لله عز وجل4 وتعظيم له، وأنهم قد تخلصوا من الشرك والتشبيه، وإذا هم قد وقعوا في الحَيْرة والتِّيْه5؛ لأنهم لما نفوا الصفات والحدود والنعوت عن الباري تقدست