ثم لَمَّا ناظرهم الجهمية والقدرية؛ وادَّعوا أن الرَّبَّ لم يزل غير متمكِّن من أن يفعل ويتكلم1 بمشيئته، ثم صار متمكِّنًا2 من أن يفعل [ويتكلم] 3 بمشيئته وقدرته، إما كلامًا مخلوقًا له على قول المعتزلة وغيرهم، وإما قائمًا به على قول الكَرَّامِيَّة وغيرهم - تسلَّط عليهم أولئك الدهرية، وقالوا: هذا يستلزم أنه صارت4 المفعولات والفعل ممكنة بعد أن كانت ممتنعةً من غير سبب أوجب ذلك، وأنها انتقلت من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي من غير سبب.
بل وشنَّعَ عليهم أئمة السنة وغيرهم من المسلمين بأن هذا يستلزم أن يكون الربُّ صار قادرًا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرًا عليه من غير سبب يوجب ذلك، وفيه وصف الرَّبِّ تعالى بعدم القدرة في الأزل، وفيه أن القدرة تجددت له من غير سبب يوجب تجددها.
فالتزمت المتكلمة من الجهمية والقدرية ومن اتَّبعهم من الكَرَّامية والكُلَّابية وغيرهم - هذا المعنى، وقالوا: نقول: إنه كان قادرًا في الأزل على الفعل فيما لا يزال.
فقيل لهم: إذا كان هذا الفعل في الأزل ممتنعًا عندكم: امتنع أن يكون مقدورًا في الأزل، فإن المقدور لَا بُدَّ أن يكون ممكنًا، فإذا أثبتم قادرًا في حال يمتنع فيها مقدوره؛ كنتم قد جمعتم بين النقيضين؛ وحقيقة قولكم أنه في الأزل قادرٌ ليس بقادر.
وقالوا لهم: إمكان الفعل والإحداث لا أول له، فإنه ما من وقت يفرض [فيه] الفعل5 إلا والإحداث فيه ممكن، فحينئذٍ لم يزل الفعل ممكنًا؛ فلم يزل قادرًا على الفعل.
قالوا: إذا قلنا: الفعل بشرط كونه مسبوقًا بالعدم لا أول له - لم يكن