كَثُرَ بُعْدُها كَثُرَ اختلافها؛ فالمتفلسفة لَمَّا كانوا أبعد من الكلام1 عن النبوات كانوا أكثر اختلافًا، فإن لهم من الاختلاف في الطبيعيات والرياضيات ما لا يكاد يحصيه إلا الله، وأما اختلافهم في الإلهيات فأعظم.
والشيعة لَمَّا كانوا من أجهل الطوائف المنسوبين إلى الملة2، كانوا أكثر اختلافًا من جميع الطوائف، ثم المعتزلة أكثر اختلافًا من المثبتة للصفات والقَدَر، ثم المثبتة المتكلمون فيهم من الاختلاف ما لا يوجد في أهل العلم بالسُّنَّة المحضة والحديث وأقوال السلف.
فإن هؤلاء أبعد الطوائف عن الاختلاف في أصولهم؛ لأنهم أكثر اعتصامًا بالكتاب والسنة من غيرهم، وبطريقتهم تنحل الإشكالات الواردة على طريقة غيرهم، كما نبهنا عليه في غير مسألة من المسائل الكبار، منها مسألة «القادر المختار» 3.
وهكذا سائر المطالب الإلهية، مَن عَرَفَ ما قاله النُظَّار فيها من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم، وما جاء به القرآن في ذلك - تبين له من فضل طريقة القرآن وسلامتها عن التناقض والفساد ما لا يقدر قدره إلا رب العباد.
ومعلوم أن الصفات نوعان: إثبات ونفي؛ فصفات الإثبات كالحياة والعلم والقدرة، والنفي تنزيه الرب تعالى عن الشركاء والأولاد وسائر النقائص.
وطريقة القرآن في ذلك إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل، مع تنزيهه عن التمثيل. والتنزيه يجمعه نوعان: