فلو قُدِّر أن صانع الأرض غير صانع السماء، وأنه مستغن عنه، لا يُغيّرُ أحدهما مصنوعَ الآخر: لزم من ذلك أن لا يكون ما في السماء مؤثِّرًا في الأرض؛ فلا تؤثر الشمس والقمر في الأرض، وأن يكون ما يَصْعَد من الأَبْخِرَة والأَدْخِنَة لا تؤثر في نور الشمس والقمر.
والهواء، إن كان لربِّ السماء لزم أن لا تؤثر فيه الأَبْخِرَةُ والأَدْخِنَةُ والأَغْبِرَةُ، وإن كان لرب الأرض لزم أن لا تؤثر فيه الشمس ولا غيرها بالتسخين ولا غيره1، من حوادث الجو: كالسحاب والمطر وغير ذلك من الحوادث التي تحدث بأسباب سماوية، وهذا أمر واسع لمن اعتبره.
فتبين انتفاء اللازم في قوله تعالى: {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] ، وحذف سبحانه نفي اللازم لظهوره ووضوحه؛ فإن ذهاب كلِّ إله بمخلوقه، وانفراده به، واستقلاله به أمر يظهر بطلانه لعموم العقلاء، والمقدمات الظاهرة البَيِّنة لا يُحتاج إلى ذكرها في البيان الفصيح، الذي هو طريقة القرآن.
واختصار ذلك، أن الخالق لَا بُدَّ أن يكون قادرًا، وأن يكون كونه قادرًا من لوازمه، لا يفتقر في ذلك إلى غيره.
والعلم بأن الفاعل لا بُدَّ أن يكون قادرًا، هو من العلوم الضرورية البَيِّنة بنفسها بعد التصور الصحيح؛ لكونه فاعلًا، ولهذا كان وصف الربِّ تعالى بكونه قادرًا هو ممَّا نطقت به جميع الكتب، وقال به جماهير العقلاء من المسلمين وأهل الكتاب والمشركين.
وما يقوله بعض المتفلسفة من كونه موجِبًا بذاته، إن أريد به كونه موجِبًا بذات قادرة مختارة، فهذا مما يُقِرُّ به جمهور المسلمين؛ نُظَّارهم وغير نُظَّارهم.
فإن القدرة التامة، مع الإرادة التامة، تستلزم وجود المقدور، ومع