فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 725

الموجب لحدوثها، والواجب عندكم لا يحدث عنه أمر من الأمور أصلًا؟

[حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بلا محدِث]:

فحقيقة قولكم أن جميع الحوادث تحدث بلا محدِث أصلًا، وهذا أشدّ فسادًا من قول الجهمية والمعتزلة وموافقيهم؛ الذين قالوا: تحدث عن فاعل مختار بدون سبب حادث، وبدون مرجِّح لأحد المتماثلين على الآخر؛ فإن إنكارَ المحدِث أعظمُ فسادًا في العقل من إنكار سبب الحدوث.

وحقيقة قول هؤلاء الفلاسفة -الذين قالوا بأن العالَم معلولُ علةٍ قديمة- أن حوادث العالم لا محدِث لها أصلًا؛ فإن منتهى قولهم إضافة الحوادث إلى حركة الفَلَك، ثم لا يثبتون للحركة1 القائمة بالممكنات محدِثًا لها، فإنه ليس فوق ذلك إلا علة تامة أزلية -وهو الذي يسمونه موجِبًا بالذات- أو ما هو من لوازم وجوده كالعقول التي يثبتونها، فإنها لازمة له مفعولة، لا تنفك لا هي ولا شي من أحوالها.

ومن المعلوم بصريح العقل أن العلة التامة الأزلية ولوازمها يقارنها معلولها -وهي موجِبة بذاتها له في الأزل- لا يتأخر عنها، فلا يكون شيء من الحوادث معلولًا لها ولا موجَبًا بها؛ فلا تكون الحوادث صادرةً عنها لا بواسطة ولا بغير واسطة، ولا يمكن إسناد الحوادث إلى غيرها؛ فإنه إن كان واجبًا بنفسه كان باطلًا من وجوه:

منها: لزوم إثبات واجبين قائمين بأنفسهما، مشترِكَيْن في العالم؛ هذا أبدع الذوات وهذا أبدع الحوادث، مع أنه ممَّا اتفق أهل الأرض على فساده، ففسادُه معلوم بصريح العقل، وقد تقدم بيان فساده.

ومنها، أن الكلام في صدور الحوادث عن هذا الواجب بنفسه؛ كالكلام في صدورها عن الأول؛ فإن صدور الحوادث عن علة تامة أزلية ممتنع كيفما قُدِّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت