وأما الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره، فإن لفظ «الغير» عندهم يحتمل هذا وهذا؛ ولهذا كان السلف لا يطلقون القول: بأن صفات الله غيره، ولا أنها1 ليست غيرَه؛ فلا يقولون: كلام الله غير الله، ولا يقولون: ليس غيرَ الله. بل يستفسرون القائل عن مراده، فقد يريد الأول، وقد يريد الثاني، وهذه طريقة حذَّاق النُّظار، وقد بُسط الكلام على هذا في موضع آخر*].
فإن تكلَّم بالاصطلاح الثاني، فجزء الشيء اللازم وصفته اللازمة ليس بغير له3، فلا يكون ثبوته موجبًا لافتقاره إلى غيره؛ وإن تكلَّم4 بالأول؛ فثبوت الغير بهذا التفسير5 لا بُدَّ منه، فإنه يمكن العلم بوجوده، [والعلم بوجوبه] 6، والعلم بأنه خالق، والعلم بعلمه، والعلم بإرادته، وهم يعبِّرون عن7 ذلك بالعقل والعناية، وهذه المعاني أغيار على هذا الاصطلاح، وثبوتها لازم لواجب الوجود، وإذا كان ثبوت هذه الأغيار لازمًا له؛ لم يجز القول بنفيها؛ لأن نفيها يستلزم نفي واجب الوجود، وعُلم أن مثل هذا وإن سُمِّي تركيبًا فليس منافيًا لوجوب الوجود.
فإذا قيل: واجب الوجود لا يفتقر إلى غيره.
قيل: لا يفتقر إلى غيرٍ يجوز مفارقته له، أم إلى غيرٍ لازم لوجوده8؟ فالأول حق، وأما الثاني -إذا أريد بالافتقار أنه مستلزم له-