جدًّا، وكل ما عُلم أن الله تعالى فَعَلَه ولو بواسطة، فإنه يدل على أنه فاعل1 للعلم الضروري بامتناع الفعل من غير قادر.
ومن تمام ذلك أن يُعلم أن الله على كل شيء قدير، والممتنع لذاته ليس بشيء في الخارج باتفاق العقلاء؛ لامتناع أن يكون له في الخارج وجود أو ثبوت، عند من يفرِّق بين الثبوت والوجود، وهو سبحانه قادر على كل شيء، واحد2 من الضدين على سبيل البدل، وأما وجودهما معًا فليس بشيء، بل هو ممتنع لذاته.
وكذلك وجود الملزوم بدون لوازمه التي يمتنع وجوده بدونها: هو من هذا الباب؛ كوجود الولد قبل والده، مع كونه قد ولده3، ووجود الصفات بدون ذات تقوم بها، ونحو ذلك.
ومَن فَهِمَ هذا المر انحلَّت عنه الإشكالات، التي تُورد على قدرة الله وحكمته ومشيئته في مسائل القدر وغيرها، وتبيَّنَ له أن خير الكلام كلام الله، وأنه سبحانه بَيَّنَ فيه الأمور الإلهية والمطالب العُلْوِيَّة أحسن بيان وأكمله؛ حيث يُبَيِّن قدرته على أشياء لم يفعلها؛ كقوله؛ {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} [البقرة: 253] ، ونحو ذلك. مع أنه لم يفعل مقدوره، وأن خلاف المعلوم مقدور ممكن باعتبار نفسه، لكنه لا يكون لعدم مشيئته له، وهو لا يشاؤه لما في ذلك من فوات حكمته التي يمتنع اجتماعها مع وجود هذا المفروض، والله أعلم.
وهذا من تمام العلم بأن الله قادر مختار، فإنه سبحانه كما أنه يفعل بمشيئته وقدرته فهو سبحانه يفعل ما يفعله لحِكمة، فيخلق لحِكمة،