سبحانه1 أنه قال ذلك: إما إخبارًا من الله2، وإما أمرًا أو نهيًا3، ولكل من حال المُخْبِر، والمُخْبَر عنه، والمُخْبَر به، بل ومن حال المخبَرِين: مصدِّقهم4 ومكذِّبهم - دلالة على المطلوب، سوى ما ينفصل عن ذلك من الخوارق، وأخبار الأوَّلين والهَوَاتف، والكُهَّان، وغير ذلك.
فالمُخْبِر5 مطلقًا يُعْلَم6 صدْقُه وكَذِبُه بأمور كثيرة لا يحصل العلم بآحادها، كما يحصل العلم بمُخْبِر الأخبار المتواترة، بل بمخبر الخبر الواحد الذي احتف بخَبَره قرائن أفادت العلم.
ومن هذا الباب علم الإنسان بعدالة الشاهد والمحدِّث والمُفْتي، حتى يُزَكِّيهم ويفتي بخبرهم ويحكم بشهادتهم، وحتى لا يحتاج الحاكم في عدالة كل شاهد إلى تزكيته، فإنه لو احتاج كُلُّ مُزكٍّ إلى مُزكٍّ لزم التسلسل، بل يُعلم صدق الشخص تارةً باختباره ومباشرته، وتارةً باستفاضة صدقه بين الناس7.
ولهذا قال العلماء: إن التعديل8 لا يحتاج إلى بيان السبب، فإن كون الشخص عدلًا صادقًا لا يَكْذِب؛ لا يتبين بذكر شيء معيَّن، بخلاف الجرح، فإنه لا يُقبل إلا مُفَسَّرًا عند جمهور العلماء لوجهين:
أحدهما: أن سبب الجرح ينضبط.
الثاني: أنه قد يُظن ما ليس بجرح جرحًا.
وأما كونه صادقًا مُتَحَرِّيًا للصدق، لا يَكْذِب، فهذا لا يُعرف بشيء