القائلين بالأصلين: النُّور والظُّلْمة، وأن العالَم صدر عنهما - متفقون على أن النور خير من الظُّلْمَة؛ وهو الإله1 المحمود عندهم، وأن الظُّلْمة شِرِّيرَةٌ مذمومة، وهم متنازعون في الظُّلْمَة: هل هي قديمة أو محدَثة؟ فلم يثبتوا2 ربَّين متماثلين.
وأما النصارى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالَم ثلاثةَ آلهة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالَم واحد؛ ويقولون: باسم الآب والابن وروح القدس إله واحد.
وقولهم في التثليث قول متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه؛ ولهذا كانوا مضطربين في فَهْمه وفي التعبير عنه، وكانوا يكتمون قولهم عن كثير من أصحابهم؛ فإنهم إذا فهموه نفروا عنه بِفِطْرَة عقولهم.
وكذلك الجهمية تكتم حقيقة قولها عن أتباعهم، وكذلك الملاحدة يكتمون حقيقة قولهم عن أكثر أتباعهم؛ لأن المقالات الفاسدة في الإلهيات قد فطر الله عباده على العلم بفسادها بعد التصور التام.
ولهذا لا يكاد أحد من النصارى يُعبِّر عن قولهم بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد؛ فإنهم يقولون: «هو واحد بالذات ثلاثة بالأُقْنُوم» ، والأَقَانِيم تُفسَّر تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص.
ويقولون: «إن الأَقَانِيم هي أُقْنُوم الآب وأُقْنُوم الابن وأُقْنُوم روح القدس» . ويفسِّرون الآب بالوجود، والابن يعبِّرون عنه بالكلمة وبالعلم، وروح القدس بالحياة، وتارة يقولون: هو القدرة.
فتارة يقولون: هو موجود حيٌّ عليم، أو موجود حيٌّ عليم ناطق،