خلقه منفصلًا1 عنه.
وقالوا: إنه ليس فوق العالَم؛ لأنه لو كان فوقه للزم أن يكون جسمًا حاملًا للأعراض والحوادث، وما قامت به الأعراض والحوادث فهو حادث.
وقالوا: إنه لا يُرى في الآخرة؛ لأنه لا يُرى إلا ما كان مقابلًا للرائي2؛ فيلزم أن يكون في جهة منه؛ فيكون جسمًا حاملًا للأعراض؛ فيكون حادثًا.
ولأجل هذا الأصل الذي بنوا عليه دينهم، امتحنوا أئمة الدِّين وعلماء المسلمين المحنة المشهورة، التي دعوا الناس فيها إلى نفي الصفات، وإنكار الرؤية، والقول بخلق القرآن وغير ذلك، حتى ثبَّت الله إمام السُّنَّة الصابر على المحنة أبا عبد الله أحمد بن حنبل.
وأقام على السُّنَّة أيضًا سائر أئمة السُّنَّة والحديث والفقه، وإن كان بعضهم وافقهم ظاهرًا، واعترف إنما3 وافقهم محنة، لما تهددوا الناس بالقتل، وحبسوا بعضهم، وقتلوا بعضهم، وأمروا أن لا تُقبل شهادة شاهد حتى يُمتحن، فيوافقهم على قول الجهمية، ولا يُولَّى قاضٍ، ولا إمامُ مسجد، حتى يوافقهم، ولا يُجرى رزق من بيت المال إلا على من يوافقهم، ولا يُفْتَكّ أسير من أيدي الكفار حتى يوافقهم.
وأقامت هذه المحنة بضع عشرة سنة، ثم جلاها الله تعالى بما أعطاه لأئمة الدِّين من الصبر واليقين؛ قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] 4.
إمام الأمة في ذلك الزمان كان أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولهذا شبَّهه العلماء بالخلفاء الراشدين، وسمّوه «الصدِّيق الثاني» ؛ قال المرودي5: