ولهذا تبين له في آخر عمره أن طريق الصوفية لا تحصِّل مقصوده، فطلب الهدى من طريق الآثار1 النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم، ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله2، وكان كارهًا ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور: مما3 أنكره الناس عليه، حتى قال المازري وغيره ما معناه: «إن كلامه يؤثر في الإيمان بالنبوة، فينقص قدرها» أو نحو هذا.
وكذلك ما ذكره من أن النبوة انفتاح قوة أخرى فوق العقل4؛ ولا5 ريب أن هذا مما يكون للنبي، وليست للنبوة قوة تدرك6 بها الأمور، وإنما يُشْبه هذا أصول الفلاسفة، الذين يزعمون أن الفيض دائم من العقل الفعَّال، وإنما يحصل في7 القلوب بسبب استعداد8 الأشخاص؛ فأي عبد كان استعداده أتمَّ كان الفيض عليه أتمَّ، من غير أن يكون من الملأ الأعلى سبب يخص شخصًا دون شخص بالخطاب والتكليم.
وليس هذا مذهب المسلمين، بل ولا اليهود ولا النصارى، بل هؤلاء كلهم - إلا من ألحد منهم - متفقون على أن الله سبحانه خصص موسى بالتكليم، دون هارون وغيره، وأنه يخص بالنبوة من