وأما قوله: «ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان؛ إذ لو كان لزم وجود الاثنين بلا امتياز وهو محال» . فطريقهم في تقرير هذا أنه لو كان اثنان واجبا الوجود لكانا مشتَركَين في وجوب الوجود؛ فإن كان كل منهما ممتازًا عن الآخر بنفسه1، كان كل منهما مركَّبًا مما به الاشتراك وما به الامتياز، فيكون كل منهما مركَّبًا، وقد تقدم أن التركيب محال؛ وإن لم يكن أحدهما ممتازًا عن الآخر، لزم وجود اثنين بلا امتياز.
وبهذه الحجة يثبتون إمكان الأجسام كلها؛ لأنهم يقولون: الجسم مركَّب، إما من المادة والصورة، وإما من الجواهر المنفردة2؛ وكل مركَّبٍ ممكنٌ.
فبهذه الحجة3 نفوا4 الصفات، وكانوا من أشدِّ الناس تَجَهُّمًا؛ لأنهم زعموا أن إثبات الصفات ينافي هذا التوحيد.
[فساد هذه الحجة من وجوه] :
وقد تفطَّن لفساد هذه الحجة بعض العقلاء؛ كأبي حامد5 الغزالي وغيره، وذلك من وجوه:
[لفظ «التركيب» ونحوه من الألفاظ التي تعددت أقوال الناس في معناها تحتاج إلى الاستفسار والتفصيل] :
أحدها: أن يقال: قول القائل: إنه يلزم افتقاره إلى ما رُكِّب منه، وذلك ينافي وجوبَ الوجود - ممنوع؛ لأن غاية ما فيه: أن ما رُكِّب منه جزء من أجزائه، وقول القائل: إن المركَّب مفتقر إلى جزئه، ليس بأعظم من قوله: إنه مفتقر إلى كله؛ فإن الافتقار إلى المجموع أشدُّ من