عليهم وُجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مرسِل، فيبقى المسلم العاقل إذا تَبَيَّنَ له حقيقة الأمر، وكيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء - متعجبًا.
ولهذا تسلط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم، لما بَيَّنُوا أنه لا يثبت بها خَلْق ولا إرسال، فادَّعى أولئك قِدَم العالم، وأثبتوا موجِبًا بذاته، وقالوا: إن الرسالة فيض يفيض على النبي من جهة العقل الفَعَّال، لا أن هناك كلامًا تكلم الله تعالى به، قائمًا به، أو مخلوقًا في غيره.
وكان في الوقت الذي أظهرت الجهمية فيه مقالتهم الأولى، وامتحنوا أئمة الإسلام كأحمد بن حنبل وغيره، قد ظهر أصل كلمة1 هؤلاء الملاحدة الباطنية باطنًا، وذلك في إمارة المأمون ثم المعتصم، وتجدد بعد ذلك من الحوادث العظيمة التي كانت في الإسلام، في أثناء المائة الرابعة ما يطول شرحه، مما تزلزل به أقطار البلاد الإسلامية.
[صُوَرٌ من هذا التسلط] :
ولما ظهرت تلك البدع المخالفة للشرع والعقل، وخفيت السنن الموافقة للعقل والسمع - دخلت الملاحدة من هذا الباب، فأخذوا من أولئك المبتدعة ما وافقتهم2 عليه، وجعلوه أصلًا لما يريدونه من إلحادهم وزندقتهم.
فصاروا يقولون للمعتزلي: أنت وافقتنا على أن ما قام به العلم والقدرة يكون جسمًا مشبَّهًا بخلقه، وذلك ممتنع؛ فكذلك3 ما سُمِّي عالمًا قادرًا لا يكون إلا جسمًا مُشْبِهًا للخلق؛ فيجب عليك أن تنفي الأسماء كما نفيت الصفات.
ويقولون للكُلَّابي: أنت وافقتنا على أن ما قامت به الحوادث فهو حادث؛ فإن ما قامت به الحوادث لم يخل منها؛ فيكون حادثًا؛ لامتناع حوادثَ لا أوَّلَ لها، وما قامت به الأعراض فهو جسم محدَث، فيجب عليك أن تنفي الصفات وتنفي العلم والقدرة؛ لأن هذه الصفات