قال لك أهل الإثبات: وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست1 مثل رحمة المخلوق، ومحبة المخلوق.
فإن قلت: لا أعقل من الرحمة والمحبة2 إلا هذا.
قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا.
ومعلوم عند كل عاقل أن إرادتنا ورحمتنا ومحبتنا3 بالنسبة إلينا، كإرادته4 ورحمته ومحبته5 بالنسبة إليه، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين؛ فتثبت6 له إحدى الصفتين وتنفى7 الأخرى، وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق، إذ أكثر ما يقال: إني أثبت الإرادة بالعقل؛ لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادة8.
فيقال لك: انتفاء الدليل المعيَّن لا يقتضي انتفاء المدلول، فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة، فمن أين نفيت ذلك؟ ثم يقال: بل السمع أثبت ذلك أيضًا.
[ما دل عليه السمع قد يُعلم بالعقل أيضًا. والسمع تضمن دلائل عقلية على المطالب العقدية] :
وقد يُسلك9 في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة؛ فيقال: ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين10، وكشف الضر عن المضرورين، والإحسان إلى المخلوقات، وأنواع الرزق والهدى والمسرات - هو دليل على رحمة الخالق سبحانه.
والقرآن يثبت دلائل الربوية بهذه11 الطريق؛ تارة يدلهم بالآيات