وهذا من1 القسط الذي أمر الله به، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135] . وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] .
والمقصود هنا: التنبيه على طرق الناس في إثبات كون الله متكلمًا، تنبيهًا مختصرًا بحسب2 ما يحتمله جواب هذا السؤال.
والطرق نوعان: سمعية وعقلية، وإن كانت العقلية هي أيضًا شرعية سمعية، باعتبار أن السمع دلَّ عليها وأرشد إليها، وأن الشرع أحبها ودعا إليها3.
لكن صاحب هذا المختصر إنما سلك طريقًا سمعية اتِّباعًا لمتبوعه أبي عبد الله بن الخطيب، وهذه الطريق4 مبنية على مقدمتين: إحداهما: أنه آمر ناه، ومن كان كذلك فهو متكلِّم.
والمقدمة الأولى: مدلول عليها بأن الرسل بلغوا أمره ونهيه، وكل من المقدمتين واضحة؛ فإن الكلام نوعان: إنشاء وإخبار، والإنشاء أمر ونهي وإباحة، فإذا ثبت له نوع من أنواع الكلام ثبت مطلق الكلام، فثبت أنه متكلِّم.
وأما الثانية: فقد عُلم بالاضطرار من دين جميع الرسل أنهم يخبرون عن الله بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا، فيلزم من ثبوت الرسالة ثبوت كلام الله تعالى، وجَحْدُ كون الله متكلمًا هو جَحْدٌ لما بلغت عنه الرسل من الأمر والنهي.