قيل: هذا باطل لثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذا مبني على [أن] 1 ماهيته الثابتة في الخارج غير الوجود الثابت في الخارج، وتلك الماهية تقبل الأمْرَين، وهذا باطل عند جماهير العلماء، بل فساده معلوم بالضرورة بعد التأمل، وقد بُسط الكلام على هذا في مواضعَ كثيرة.
الثاني: أنه بتقدير2 ثبوت ذلك، فتلك الماهية إذا كانت قديمة، واجبة الوجود بغيرها، امتنع عدم وجودها؛ فلم يكن وجودها قابلًا للعدم؛ فلا يكون لها حال تقبل فيه الوجود والعدم، وهذا بخلاف المعدوم إذا وجد، فإنه يقبل الوجود والعدم؛ فإنه تارة يكون3 موجودًا، وتارة يكون معدومًا.
الثالث: أن المعدوم يفتقر في وجوده إلى فاعل يوجده، فأما العدم4 المستمر، فلا يحتاج إلى من يجعله معدومًا، فالممكن إنما يفتقر إلى مَن يرجِّح وجوده على عدمه، فأما العدم فلا يفتقر إلى عِلَّة، كما ذهب إليه جماهير النُّظَّار من المسلمين وغيرهم.
وإنما خالف في ذلك هذه الطائفة القليلة كابن سينا وأمثاله؛ الذين قالوا: «إن الممكن قد يكون واجبًا بغيره5، قديمًا، أزليًّا، يمتنع عدمه» . وخالفوا في ذلك سلفَهم وجماهير العقلاء؛ فإن أرسطو وقدماء الفلاسفة يوافقون جمهور العقلاء في أن الممكن لا يكون إلا محدَثًا، وأما القديم الأزلي فلا يكون ممكنًا، وهذا مما عدَّه ابن رشد الحفيد وغيره من المواضع التي خالف فيها ابنُ سينا لأرسطو وقدماء الفلاسفة.
ولهذا لما جوَّز ابن سينا وأتباعُه؛ كالرازي والسُّهْرَوَرْدي والآمدي، أن الممكن قد يكون قديمًا أزليًّا - وَرَدَ عليهم من السؤالات القادحة