في هذا الإمكان ما لم يمكنهم جوابُه، كما قد بسط في موضعه.
وما يثبتون به إمكان هذا، من قولهم: «هذا بمنزلة الشعاع مع الشمس، وبمنزلة الصوت مع الحركة، وبمنزلة قول القائل: حركتُ يَدِي، فتحرك الخاتم أو كُمِّي، فإن هذا يقتضي كونَ الأول علةً للثاني مع اقترانهما في الزمان» ، فهذا باطل لوجهين:
أحدهما: أنه ليس فيما ذكروه أن فاعلًا لم يتقدم على فعله؛ فإن الحركة ليست فاعلةً للصوت، ولا حركة اليد فاعلةً لحركة الكُمِّ، ولا الشمس فاعلة للشعاع، بل الأول هنا شرط في الثاني، وشرط الشيء قد يقارنه في الزمان، وأين الفاعل من الشرط؟! لا سيما الفاعل الذي هو وحده يفعل مفعوله.
والشمس والنار لا يفيض عنها الشعاع إلا بشرط جسم يقبل ذلك، وكذلك الصوت، والحركة إنَّما تحصُل عن الأولى بشرط أمور أخرى، فليس هنا ما هو فاعل وحده، بل ولا هو فاعل أصلًا.
ولفظ «العلة» مجمل، والكلام إنما هو في العلة الفاعلة لمفعول؛ هل تقارنه في الزمان؟ ولا شيء في الوجود قط فاعل قارن مفعولًا، وهذا مِمَّا ينبغي التفطُّنُ له؛ فإنهم يلبِّسون به.
وإذا كان الممكن لا يكون إلا محدَثًا، وكل ما سوى الواجب بنفسه فهو ممكن، فكل ما سواه فهو محدَث.
وإذا قيل: بل يمكن قِدَمه.
فيقال: لا ريب أنه لا يكون قَدِيمًا إلا إذا كانت له [علة] 1 تامة أزلية، وهذا متفق عليه، وذلك أنه إذا كان ممكنًا -ليس موجودًا بنفسه- وهو مع ذلك قديم أزلي: فإنه لا بدّ له من موجِب بذاته في الأزل؛ بحيث يلزم من وجودِه وجودُه، وهذا هو العلة التامة الأزلية التي تستلزم ثبوت معلولها في الأزل.