والمقصود هنا: أن منشأ النزاع والضلال في هذا الباب هو قول الجهمية والقدرية، الذين حقيقة قولهم أن الرب تعالى لم يكن قادرًا على أن يفعل ويتكلم بمشيئته وقدرته، بل رجَّح أحد المقدورَين1 المتماثِلَين على الآخر بلا مرجِّح.
ثم قالت القدرية: وكذلك العبد يرجِّح أحد مقدورَيه على الآخر بلا مرجِّح. وقالت الجهمية: بل العبد لا يُحدث شيئًا أصلًا، ولا يفعل شيئًا، لامتناع حوادث لا أول لها.
فلما قالوا هذا صارت طائفة تقول: كلامه حينئذٍ لا يكون إلا مخلوقًا؛ لأنه إن لم يكن مخلوقًا لزم أن يكون قديمًا، أو قائمًا به وهو حادث، والرب تعالى لا تحلُّه الحوادث. وهذا قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم.
وطائفة تقول: بل حادث قائم به، والرب يمتنع أن يتكلم في الأزل بمشيئته وقدرته، وهذا قول الهشامية والكَرَّامية وأبي معاذ التُوْمَنِي2 وزهير الأثري3 وطوائف كثيرين4.
وطائفة تقول: بل هو قديم العين. وهم الكُلَّابية ومن وافقهم،