فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 725

للغير، فأنتم جميع ما نفيتموه في هذا المقام، إنما نفيتموه لئلا يكون مستلزمًا لغيره، وعندكم هو مستلزم لغيره، بل جعلتموه مستلزمًا لغيرٍ هو مفعول متغيِّر، ونفيتم كونه مستلزمًا لصفات قائمة بذاته، ثابتة، لازمة له.

ومعلوم أن إيجابه لما هو قائم به، لازم، ثابت، دائم؛ أَوْلى من إيجابه لما هو منفصل عنه، متغيِّر، فإذا كان -على اصطلاحكم- كونه مفتقرًا إلى ما هو متغيِّر، مفعول، لا ينافي وجوبه بنفسه - فكيف يكون افتقاره إلى ما هو لازم له دائم، ينافي وجوبه! وإذا كان هذا على اصطلاحكم؛ افتقاره إلى المنفصل عنه لا ينافي وجوبه؛ فكيف افتقاره إلى ما هو قائم بذاته!

[لفظ «الكثرة» ] :

وإذا قلتم: هذا يفضي إلى الكثرة في ذاته، بخلاف ذاك.

قيل لكم: الكثرة في ذاته هي التركيب عندكم، ومرادكم بالعبارتين واحد، وإنما نفيتم ذلك بنفي هذا اللازم؛ الذي أثبتم ما هو أبلغ منه في الامتناع على أصلكم، فإن وجب نفي هذا اللازم لما فيه من الافتقار؛ لزم نفي ذلك الذي هو أبلغ في الافتقار منه، وإن لم يجب نفي هذا الأبلغ لم يجب نفي ذلك بطريق الأَوْلى.

فتبين أن القوم ينفون الشيء لمعنى، ويثبتون ما هو أبلغ في إثبات ذلك المعنى منه، وأنهم من أعظم الناس تناقضًا، وأنهم يصفون واجب الوجود بما يوجب أن يكون ممتنعَ الوجود، فيجمعون بين النقيضين الذين هما في غاية التناقض؛ فإن مناقضة الوجوب للامتناع أبلغ من مناقضة الوجود للعدم.

وأصل ذلك، أن القوم أرادوا أن يثبتوا وجودًا مطلقًا؛ لا يختص بحقيقة يمتاز بها عن غيره، وإنما يمتاز بأمور سلبية، وهذا إنما يقدَّر في الأذهان، وأما إثباته في الخارج فممتنع لذاته، كما قد بسط في موضعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت