وهذه الأدلة وما أشبهها، كلَّما فهمها الانسان ازداد بصيرةً، وعلِم أنه من الممتنع أن لا يكون الرب قادرًا؛ ومن الممتنع لذاته وجود ربَّيْن متماثِلَين في القدرة.
[لازما تقدير خالقَيْن متفاضلين] :
وحينئذٍ فإذا قُدِّر رَبَّان، فلا بدّ أن يكون أحدهما مختصًّا بقدرة لا يماثله فيها الآخر؛ وحينئذٍ فيلزم أن يذهب كل إله بما خَلَقَ، ويعلو بعضهم على بعض.
[اللازم الأول: ذهاب كل إله بما خلق] :
أما اللازم الأول -وهو ذهاب كل إله بما خَلَقَ- فهذا لازم، سواء فُرِضَا متماثِلَين في القدرة أو متفاضلين فيها، وإن كان كلٌّ من التقديرين ممتنعًا، لكن بطلان هذا اللازم مما يدل على امتناع كلٍّ منهما؛ وذلك لأنه قد تَبَيَّن أنه يمتنع أن يكون المفعول الواحد فعلًا1 لكل منهما على سبيل الاستقلال، ويمتنع أيضًا التعاون: بحيث لا يصير أحدهما قادرًا إلا إذا أعانه الآخر، ولا يصير فاعلًا إلا إذا [أعانه] الآخر2.
ويُبَيِّن ذلك، أن ذلك ممتنع لذاته، بل لا بُدَّ أن يكون أحدهما قادرًا على الفعل؛ يفعل بإرادته دون معاونة الآخر، وإذا كان كذلك، وجب أن يتميز مفعوله عن مفعول الآخر، وأن يذهب بمفعوله؛ لأنه لا يجب اختلاط المفعولَين إلا إذا احتاج أحد الفاعِلَين إلى الآخر؛ كالحامِلَين للخشبة، لا يقدر أحدهما على حملها إلا بمعاونة الآخر، فلا يتميز أثره في الخشبة عن أثر الآخر.
فأما القادر -الذي يمنع افتقاره إلى من يعينه، وقدرته من لوازم ذاته الغَنِيَّة عن أن يجعله غيره قادرًا- فهذا مقدوره متميِّزٌ مستقل.
فإن اختلاط أحد المقدورَيْن بالآخر، إن كان لحاجته إليه، لزم افتقار القادر الغني عما سواه إلى غيره، وهو جمع بين النقيضين، وإن اختلط