ولأن1 لله2 في الأفعال والتروك أسرارًا من المصالح التي لا يعلمها العقلاء ولا يدركونها بعقولهم، فاحتاجوا3 إلى النبوات».
قلت4: والمقصود هنا أنَّ مَن لم ينزهه عن فعلٍ مقدور له؛ بل جَوَّز5 أنْ يفعل كل ما يمكن؛ ولم يُثبت لفعله حِكْمة، غير تَعَلُّق الحُكْم بالمفعولات، وتَعَلُّق المشيئة بها - فإنه احتاج6 في دلالة المعجزة على الصدق إلى غير تلك الطريق، فسلكوا طريقين، سلك كلًّا [منهما] طائفة7 من أهل الكلام والفقه، من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد8.
أحدهما: وهو قول9 أكثر شيوخهم المتقدمين - أن وجه دلالة المعجزة على صدق مُدَّعِي النُّبُوَّة؛ امتناع تعجيز الإله عن نصب الدلالة على صدق الرسل؛ فإنَّ تصديقهم ممكن، وذلك معلوم بالضرورة والاستدلال، ولا دليل إلى التصديق إلا خَلْق المعجزات؛ وظهورُها10 على يد الكذاب يبطل دليل صدقهم، فلا يبقى في المقدور طريق يُصَدَّقون به، فيلزم عجز الإله عن الممكن، وذلك ممتنع.
وقد عَوَّل على هذه الطريقة أبو الحسن الأشعري وأصحابه، كالأستاذين أبي إسحاق11، وأبي بكر بن فَوْرَك؛ وكذلك القاضي