لهذا الإمكان بداية، مع أنه لا يستلزم دوام الفعل؛ فإنه قد شرطنا أن يكون مسبوقًا بالعدم.
فقال لهم الناس: أنتم قدَّرتم تقديرًا جمعتم فيه بين النقيضين، فإنكم قلتم: ما هو مسبوق لا أَوَلَ له، وما لا أَوَلَ له لم يسبقه شيء، فإذا جعلتموه لا أَوَلَ له، وقلتم: إنه مسبوق بالعدم - جمعتم بين النقيضين.
وقد يعبِّرون عن هذا: إن إمكان الأزلية غير أزلية الإمكان، أو بأن صحة الأزلية غير أزلية الصحة، وأنه لا يستلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر.
فقال لهم الناس: بل هذان المعنيان ملازمان، وإذا كانت الأزلية ممكنة، فالإمكان أزلي، وإذا كان الإمكان أزليًّا، فالأزلية ممكنة، فإنه إذا كان إمكان الفعل أزليًّا لم يزل، كان إمكان الفعل دائمًا أبدًا، فلا أول لإمكان1 الفعل، وهذا هو أزلية إمكان الفعل، وهو يستلزم إمكان أزلية الفعل؛ فإنه يتضمن أنه لم يزل الفعل ممكنًا، وهذا هو المراد بإمكان أزلية الفعل، وهو إمكان دوام الفعل، وإمكان كون الفاعل لم يزل فاعلًا.
فقال مُتَكَلِّمة الجهمية والقدرية: والإحداث والفعل لا يُعْقَل إلا مسبوقًا بالعدم؛ فإن معنى كون الشيء مفعولًا هو معنى كونه محدَثًا؛ والمحدَث لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم.
فقال أهل السنة الذين ليس في قولهم ما يناقض صريح المعقول ولا صحيح المنقول: هذا الكلام حق أيضًا، وهو دليل على بطلان قول الفلاسفة الدهرية، الذين يقولون: إنه قديم وهو مفعول للرب. فإن كل ما هو مفعول فهو محدَث، لكن فُرِّق بين حدوث نوع الفعل والكلام وحدوث عين الفعل والكلام - بأنا نعقل أن كل ما يفعله فلَا بُدَّ أن يكون مُتَقَدِّمًا عليه، ونعقل أنه يمكن أنه لم يزل فاعلًا متكلمًا، ونعقل أنه