فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 725

وهذ هو الذي أقدر هذا، وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء كما تقدم بيانه، كما يمتنع أن يكون هذا هو الذي خلق هذا، وهذا هو الذي خلق هذا. وإن كان مصنوعًا لغيره لزم التسلسل في العلل والمؤثرات، وهذا فاسد بالضرورة واتفاق العقلاء كما قد بسط هذا في موضع آخر. وإن لم يكن مصنوعًا له ولا لغيره لزم أن يكون قديمًا واجب الوجود بنفسه.

وحينئذٍ، فقدرته إن كانت من لوازم نفسه، ثبت أن قدرة الرب القديم الواجب من لوازم نفسه، وهو المطلوب، وإن كان من غيره لزم الدور القَبْلِي والتسلسل في التأثير، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء. واحترزنا بذلك عن التسلسل في الآثار؛ فإن فيه نزاعًا، وأكثر أئمة الحديث وأئمة الفلاسفة يجيزونه، وكثير من أهل الكلام يمنعه.

وإذا كانت قدرة صانع العالم من لوازم نفسه: فإذا قُدِّر صانعان لزم أن تكون قدرة كل منهما من لوازم نفسه؛ إذ لو كانت قدرته مستفادة من الآخر، أو بالثالث، لزم الدور أو التسلسل الباطلان.

وهذا المعنى صحيح ثابت، كلما أُمْعِن النظر فيه ازداد بيانًا ووضوحًا؛ وذلك أن كون الفاعل الخالق لا بُدَّ أن يكون قادرًا هو من المعلوم بضرورة العقل؛ فإذا قُدِّر خالقان، فلا بُدَّ أن يكون كُلٌّ منهما قادرًا، ويمتنع أن لا يصير هذا قادرًا إلا بهذا، ولا يصير هذا قادرًا إلا بهذا، كما يمتنع أن لا يكون فاعلًا مؤثِّرًا إلا به، وكما يمتنع أن لا يكون موجودًا إلا به؛ فإن كونه موجودًا بنفسه، قادرًا بنفسه1، فاعلًا بنفسه - من لوازم كونه واجبًا بنفسه.

وحينئذٍ، فإذا كان لا بُدَّ من قدرة كلٍّ منهما حالَ الانفراد: فمن هنا يظهر صحة دليل التمانع، الذي استدلَّ به النُّظَّار، وغيره من الأدلة، ويُبَيِّن أن كثيرًا من النُّظَّار، إنما لم يقرر هذه المقدمة لظهورها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت