يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54] ، وقوله1 تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18] ، وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] .
ومثل هذا كثير في القرآن، والاحتجاج به ظاهر على قول الجمهور، الذين يجعلون الخَلْق غير المخلوق، وهو الصواب، فإن الذين يقولون: «الخَلْق هو المخلوق» ؛ قولهم فاسد، وقد بُيِّن فسادُه في غير هذا الموضع.
وشُبهتهم أنه لو كان غيره، لكان إن كان قديمًا لزم قِدَم المخلوق، وإن كان محدَثًا احتاج إلى خلق آخر فيلزم التسلسل، وإن كان قائمًا به، فيكون محلًّا للحوادث.
وقد أجابهم الناس عن هذا، كل قوم بجواب يُبَيِّن فساد قولهم: فطائفة2 مَنَعَت قِدَم المخلوق3، كالإرادة: فإنهم4 سلَّموا أنها قديمة مع حدوث المراد.
وطائفة مَنَعَت قيامه به، وقالت: لا يقوم به الخلق، فلا يكون محلًّا للحوادث. فإذا قالوا: إن الخلق هو المخلوق ولا يقوم به، فلأن يجوز أن يكون غير المخلوق ولا يقوم به أَوْلَى.
وطائفة قالت: لا نُسَلِّم أنه إذا افتقر المخلوق المنفصل إلى خلق: أن يفتقر ما يقوم به من الخَلْق إلى خَلْق آخر، بل يكفي فيه القدرة والمشيئة، فإنكم إذا جَوَّزتم وجود الحادث الذي يباينه بمجرد القدرة والمشيئة: فوجود ما لا يباينه بهما أَوْلَى بالجواز. وهؤلاء وغيرهم يمانعونهم في قيام الحوادث به.