فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 725

يتكلم لا يكون رَبًّا معبودًا، كما أن ما لا يغنى شيئًا ولا يهدي ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا لا يكون رَبًّا معبودًا؛ ومن المعلوم أن خالق العالَم هو الذي ينفع عباده بالرزق وغيره ويهديهم، وهو الذي يملك أن يضرهم بأنواع الضرر. فإن هذه الأمور من جملة الحوادث التي يحدثها رب العالمين؛ فلو قُدِّر أنه ليس محدِثًا لها كانت حادثة بغير محدِث، أو كان محدِثُها غيره. وإذا كان محدِثُها غيره، فالقول في إحداث ذلك الغير كالقول في سائر الحوادث، فلا بُدَّ أن تنتهي إلى قديم لا محدِث [له] 1.

ولذلك2 من المستقر في العقول أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ناقص عن صفات الكمال؛ لأنه لا يسمع كلام أحد، ولا يبصر أحدًا، ولا يأمر بأمر، ولا ينهى عن شيء، ولا يخبر بشيء؛ فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة ما هو شرٌّ منه، وهو الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع ويبصر ويتكلم. ونفي قبول هذه الصفات أبلغ في النقص والعجز، وأقرب3 إلى اتِّصَاف المعدوم ممن يقبلها واتصف بأضدادها؛ إذ الإنسان الأعمى أكمل من الحجر، والإنسان الأبكم أكمل من التراب، ونحو ذلك مما لا يوصف بشيء من هذه الصفات.

وإذا كان نفي هذه الصفات معلومًا بالفطرة أنه من أعظم النقائص والعيوب، وأقرب شَبَهًا بالمعدوم؛ كان من المعلوم بالفطرة أن الخالق أبعد عن هذه النقائص والعيوب من كل ما يُنفَى عنه، وأن اتصافه بهذه العيوب من أعظم الممتنعات.

وهذه الطريق ليست الثانية ولا الثالثة، فإن الثانية مبنية على أنه حي، فلا بُدَّ من اتصافه بها أو بضدها، والثالثة مبنية على أنها صفات كمال، فيجب اتصاف الرب بها، وأما4 هذه فمبنية على أن نفي هذه الصفات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت