فهرس الكتاب
وسلم -؛ لأن الزهري لم يسم من حدثه به عن أنس. وقول الزهري - من بعض الطرق عنه: (حدثني من لا أتهم) لا يكفي منه لمعرفة حال من حدثه؛ لأنه قد يكون ضعيفًا، أو واهيًا عند غيره، أو عند الجمهور، خصوصًا أن الزهري معروف بالتدليس. وخصوصًا لما في متن الحديث من نكارة في قول ابن عمرو: (إني لاحيت أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا) ، ثم قوله للرجل لما أراد وداعه: (إني لم يكن بيني وبين أبي غضب، ولا هجر) ، فإن في هذا أمرين منكرين، أولهما: عقوق الوالدين، وهو كبيرة من الكبائر. وعبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما-صح عنه أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال له: (أطع أباك ما دام حيا، ولا تعصه) ، ولذا كان مع أبيه، ومعاوية، ومن معهم لما قاتلوا عليًا-رضي الله عنهم جميعًا-، ولكنه لم يقاتل [1] . فهو لم يفارق أباه ويعصه ويهجره في هذه الحادثة العظيمة، فكيف يهجره فيما هو أهون منها؟! ولو افتُرض أن ذلك وقع من ابن عمرو قبل ورود حديث الأمر بالطاعة الخاصّة المذكورة آنفًا، فماذا نقول فيما ورد في ذلك من الأمر بالطاعة في غير معصية الله، والنهي عن العقوق على وجه العموم؟! ولو كان حصل الهجر منه في حال غضب فإنه سيكفّر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير - وهو وصل أبيه، وبرّه - ولا يقيم على المنكر [2] . والآخر: الكذب. وهذان الأمران لا يقعان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين شهد لهم القرآن، والسنة بالعدالة، والخيرية، وكانوا خير هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وأكملها علمًا، وعملا.
وقد ضعف الحديث جماعة - كما تقدّم: الدار قطني، وحمزة بن محمد الكتاني، والبيهقي، والعراقي، وابن حجر، والناجي، والألباني، وهو الصواب. وتصحيح من صححه بناه على حال ظاهر الإسناد، ولم يفطن لعلته متنًا، وإسنادًا - والله سبحانه الموفق -.
وللحديث شاهدان، أحدهما رواه: ابن عدي، والبيهقي، كلاهما من طريق صالح المري عن عمرو بن دينار - مولى آل الزبير - عن سالم ابن عبد الله عن أبيه قال: كنا جلوسًا
(1) هذا طرف في الحديث المتقدم برفم/1583 عند الإمام أحمد، وغيره، وفيه قوله-صلى الله عليه وسلم-في عمار: (تقتله الفئة الباغية) .. .فانظره، والسير (3/ 92) .
(2) روى البخاري (11/ 525) برقم / 6622، ومسلم (3/ 1273 - 1274) برقم / 1652 من حديث عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - ينميه: (وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير) ، في أحاديث أخر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين، وغيرهما في هذا المعنى.