فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 725

وإذا قالوا: بل تارة تكون مصلحتها في التَّعَلُّق بالبدن، وتارة في التجريد عنه - كان هذا من أقوال جماهير أهل الملل وغيرهم، وأمكن أن يقال: بل تعاد إلى أبدان تبقى فيها، ويكون ذلك أصلح لها.

وأمكن أن يقال: إذا كانت إنما تكسب الفضائل بتعلقها بالبدن، فدوام هذا التَّعَلُّق يقتضي دوام فضائلها وكمالاتها.

وأمكن أن يقال: لها تعلقان: تعلُّقٌ تكسب به ما يُعدُّها للسعادة، وتعلُّقٌ تكون به سعيدة سعادة دائمة أبدية، وتمام البسط على فساد هذه الأقوال له موضع آخر.

فإن قيل: فهبْ أن الأمر كذلك، لكن كونه فاعلًا للشيء المعيَّن بعد أن لم يكن - أمر حادث فلا بد له من سبب حادث.

قيل: الكلام والفعل الذي لا يمكن إلا متعاقبًا: يكون متكلمًا وفاعلًا له شيئًا بعد شيء، وهو سبحانه الفاعل لجميع ما يكون، لكن يمتنع وجود الثاني مع الأول الذي ينافيه وينافي لوازمه، والممتنع لذاته ليس بشيء، فلا يدخل في عموم ما تناولته القدرة، ولا يجوز أن تتناوله الإرادة.

والشيء يكون ممتنعًا إما لامتناعه في ذاته، وإما لاستلزامه الممتنع في ذاته. ومعلوم أن ما خلقه الرب تعالى، فلا بد أن يَخْلُق لوازمه التي لا يوجد إلا بها، وأنه لا يُخْلَق إلا في حال عدم أضداده التي لا يجتمع هو وهي في آنٍ واحد، وإذا لزم تحقق لوازمه وانتفاء أضداده كان وجوده بدون ذلك ممتنعًا.

وحينئذٍ فإذا صار الفعل والمفعول ممكنًا بعد أن كان ممتنعًا - لم يكن ذلك لامتناع ذاته، بل لإمكان لوازمه، وانتفاء موانعه، التي هي شروط فيه، وعدم المانع حصل بانقضاء الفعل الأول، وأمكن حينئذٍ حصول الثاني بلوازمه، ولم يكن عدم المانع جزءًا من المؤثر، بل كان مستلزمًا كمال التأثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت