المتفلسفة - كابن سينا وأمثاله - الذين ادعوا وجود قديم مفعول.
وهؤلاء الحرنانيون ادَّعوا أن في قولهم خلاصًا من هذا الإشكال؛ لقولهم بحدوث الأجسام، وليس الأمر كما ظنوه؛ فإنهم أثبتوا خمسة قدماء: الباري والنَّفْس والهَيُولَى والدهر والخلاء، فإن قالوا: إن الأربعة مفعولة للرب تعالى، لزمهم أن يكون القديم مفعولًا، فقد1 زعموا أنهم تخلَّصوا من هذا الإشكال، وهم لم يتخلصوا منه.
وإن قالوا: ليست مفعولة للرب تعالى، بل كل منها واجب الوجود لنفسه: كان هذا أبلغ في الفساد، ولزم من ذلك أن يكون الوجود الواجب بنفسه مؤثِّرًا في الوجود الواجب بنفسه؛ حيث أَثَّرت النَّفْس في الهَيُولَى، الهَيُولَى في النَّفْس، والباري أثَّر فيهما، فيكون الواجب بنفسه مدبَّرًا مصنوعًا، وهذا يستلزم فقرة وحاجته إلى غيره المنافي لوجوده بنفسه، وأن تكون الهَيُولَى واجبة الوجود بنفسها، فتكون الأعيان كلها واجبةَ الوجود بنفسها، وقد حدث فيها من الحركات والأعراض والتأليف ما ليس له سبب، وفي هذا القول من اللوازم الفاسدة ما يطول وصفه.
الوجه الخامس: أن يقال: إن كان الرب تعالى غير قادر على منعها عن التَّعَلُّق: لزم عجزه، وإن كان قادرًا لزم انتفاء حكمته؛ حيث مكّنها من التَّعلُّق المذموم الضارّ لها.
وقولهم: إنه عَلِمَ أن الأصلح لها التَّعَلُّق، وأنه عَلَّقَها لتنال الفضائل العقلية - تناقض منهم؛ فإنه على هذا التقدير يكون تَعَلُّقُها خيرًا من عدم تَعَلُّقِها، وحينئذٍ ينبغي أن يُعَلِّقَها الباري باختياره لا تتعلق بغير اختياره. فهم يقولون: إنما سعادتها في عدم التَّعَلُّق، وشقاوتها في التَّعَلُّق، ويجعلون ذلك من صفاتها2 اللازمة لها، والصفات اللازمة لا تتبدل.