فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 725

المختار يمكن أن يُرجِّح أحد مقدورَيْه بلا مرجِّح - أمكن أن يَحْدث الفَلَك وغيره من الحوادث، وأمكن تخصيص أحد المتماثلَيْن بالإِحداث بلا مرجِّح؛ وذلك يبطل أصل قولهم في الموجِب بالذات وقِدَم العالَم.

وإن لم يمكن ذلك لم يمكن أن تحدث حركات الفَلَك الذي هو معلول مفتقر، وتصورات الفَلَك وإراداته1، إذا قيل: له تصور وإرادة لا بمحدِث فوقها يحدثها2؛ وذلك يبطل قولهم بالموجِب بالذات، وبطلانه مستلزم لبطلان قولهم بقِدَم العالَم.

ويمتنع أن يقولوا في الممكن المعقول: إنه يُحدِث الحوادث بلا مرجِّح، وإنه يُحدِث تصوراته وإراداته بلا محدِث، مع أنه مربوب معلول، والواجب القديم لا يُرجِّحها إلا بمرجِّح. ويمتنع أن يقولوا: إن هذه الحوادث قائمة بالفَلَك تحدث شيئًا بعد شيء دائمًا؛ عن عِلَّة تامة أزلية موجِبة بنفسها لمعلولها؛ بواسطة أو غير واسطة، فإن هذا جمع بين النقيضين.

ولما كان فساد هذا القول بعد التصور التام يقينًا: صاروا يحتاجون إلى أن ينازعوا في لوازمه، ويذكروا في العلم الإلهي الكُلِّي والعلم الطبيعي مقدماتٍ مخالفة لِما قاله سلفهم، ولِما عليه جمهور العقلاء، ولِما يُعلم بفطرة العقل؛ مثل قولهم: إن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يكون واجِبًا بغيره قديمًا أزليًّا يمتنع عدمه. فيجمعون بين النقيضين، ولهذا أُورِد عليهم من الإشكالات في هذا الممكن - مثل ما ذكره الرازي في «محصله» وغيره - ما لا يمكن عنه جواب صحيح. فالقول المتناقض يلزمه لوازم باطلة، مثل قولهم: إن الفاعل المبدِع لمفعوله يكون مفعوله مقارنًا له في الزمان؛ ملازمًا له أزلًا وأبدًا لا يتأخر عنه. وهذا مما أنكره جماهير العقلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت