ثم من أعظم تناقضهم [أن] 1 يقولوا: واجب الوجود لا تكون له صفات؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون مستلزمًا لها لا تنفك عنه، وسموا ذلك الاستلزام «افتقارًا» ، وقالوا: هذا يقتضي أن يكون واجب الوجود مفتقرًا إلى غيره، وذلك ممتنع. وهم قد جعلوه مستلزمًا للأفلاك وغيرها من مصنوعات لا تنفك عنه، وإذا سُمِّي الاستلزام افتقارًا كان هذا افتقارًا إلى الأفلاك؛ فيكون واجب الوجود مفتقرًا إلى مفعولاته، وذلك أعظم استحالة من استلزامه الصفات.
ثم إنهم يجعلون «أن يفعل» و «أن ينفعل» من أنواع الأعراض الموجودة؛ فإن الأجناس العالية التي جعلوها أجناس الموجودات هي عندهم عشر: الجوهر والأعراض، ولم يقيموا دليلًا على انحصارها2 في تسعة، ولهذا جعلها بعضهم ثلاثة: «الكم» ، و «الكيف» ، و «الإضافة» ، وبعضهم غير ذلك، وعلى كل قول، فهم لا يتنازعون أن الأعراض موجودة، وأن الفعل والانفعال من الأعراض.
ومعلوم أن فعل الأول لكل ما سواه، أعظم من فعل غيره، ففعله أعظم أنواع الفعل؛ فيلزم أن يكون فعله موجودًا، وهو عَرَض لا يقوم بنفسه، ولا يجوز أن يقوم بغيره بالضرورة، وهم يسلِّمون ذلك؛ ويقولون: «أن يفعل» 3، يقوم بالفاعل، و «أن ينفعل» يقوم بالقابل. فيلزم أن يكون الرب تعالى قد قام به «أن يفعل» ، وإذا قام به الفعل، فقيام القدرة وغيرها من الصفات أولى وأحرى، وحينئذٍ فتكون الصفات قائمة به.
والفعل عند أساطينهم من جنس الحركة، وذلك لا يكون إلا شيئًا بعد شيء، فإن الحركة عندهم ليست مختصةً بالانتقال من حَيِّز إلى حَيِّز، بل هذا يسمونه حركة في «الأين» ، ويسمون حركة الفَلَك حركة