حوادث لا أول لها. ومن المعلوم أن تجويز نوع حوادث لا أول لها، لا يستلزم ثبوت ذلك في شيء مُعَيَّن، لا الفَلَك، ولا الأركان الأربعة: الماء والهواء والتراب والنار، ولا المولَّدات من الحيوان والنبات والمعدن؛ فإذا جاز أن يكون في جنس الوجود حوادث لا أول لها، وجاز أن تكون الحوادث دائمة: فأيُّ شيء في ذلك مما يدل على أن حوادث الجسم المعيَّن دائمة أزلية أبدية؟
وكل ما يحتجون به من دوام الفاعلية ولوازمها: من دوام الحركة، أو مقدار الحركة الذي يسمونه الزمان، أو دوام جنس المدة، أو جنس المادة - فلا يدل على قِدَم شيء بعينه من العالَم أبدًا.
لكن لما كان من ناظرهم من أهل الكلام المبتدَع: كلام الجهمية والقدرية قد قالوا: إن جنس الفعل وملزوماته حادث، وإن الرب تعالى لم يمكنه أن يفعل ويتكلم بمشيئته؛ بل كان ذلك ممتنعًا عليه ثم صار ممكنًا، واحتجوا على ذلك بامتناع حوادث لا أول لها - صار هؤلاء إذا أثبتوا إمكان حوادث لا أول لها، أو وجوب ذلك؛ ظنوا أن ذلك السَّلْب الكُلِّي العام إذا بطل: ثبت ما ادعَوْه من التعيين.
وهذا جهل عظيم؛ فإن السالبة الكُلِّيَّة تنتقض بصورة واحدة جزئية، ولا يلزم من ذلك صدق كل جزئي ينافيها؛ فإذا أَكذب1 قول القائل: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91] بإنزاله2 على موسى ومحمد ونحوهما، لم يلزم من ذلك أن يكون قد أنزل على مسيلمة الكذاب3، والأّسْوَد العَنْسي4،