فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 725

حوادث لا أول لها. ومن المعلوم أن تجويز نوع حوادث لا أول لها، لا يستلزم ثبوت ذلك في شيء مُعَيَّن، لا الفَلَك، ولا الأركان الأربعة: الماء والهواء والتراب والنار، ولا المولَّدات من الحيوان والنبات والمعدن؛ فإذا جاز أن يكون في جنس الوجود حوادث لا أول لها، وجاز أن تكون الحوادث دائمة: فأيُّ شيء في ذلك مما يدل على أن حوادث الجسم المعيَّن دائمة أزلية أبدية؟

وكل ما يحتجون به من دوام الفاعلية ولوازمها: من دوام الحركة، أو مقدار الحركة الذي يسمونه الزمان، أو دوام جنس المدة، أو جنس المادة - فلا يدل على قِدَم شيء بعينه من العالَم أبدًا.

لكن لما كان من ناظرهم من أهل الكلام المبتدَع: كلام الجهمية والقدرية قد قالوا: إن جنس الفعل وملزوماته حادث، وإن الرب تعالى لم يمكنه أن يفعل ويتكلم بمشيئته؛ بل كان ذلك ممتنعًا عليه ثم صار ممكنًا، واحتجوا على ذلك بامتناع حوادث لا أول لها - صار هؤلاء إذا أثبتوا إمكان حوادث لا أول لها، أو وجوب ذلك؛ ظنوا أن ذلك السَّلْب الكُلِّي العام إذا بطل: ثبت ما ادعَوْه من التعيين.

وهذا جهل عظيم؛ فإن السالبة الكُلِّيَّة تنتقض بصورة واحدة جزئية، ولا يلزم من ذلك صدق كل جزئي ينافيها؛ فإذا أَكذب1 قول القائل: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91] بإنزاله2 على موسى ومحمد ونحوهما، لم يلزم من ذلك أن يكون قد أنزل على مسيلمة الكذاب3، والأّسْوَد العَنْسي4،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت