حق. وإن أراد بذلك أن هذا موجود معًا في آن واحد، لا يوجد شيئًا فشيئًا، وأنه ليس بعضه قبل بعض، فهذا مكابر للعقل والحس.
وبهذا يظهر ما في كلام هؤلاء من التلبيس، من جهة أنهم جعلوا المتصل شيئًا بعد شيء ليس موجودًا في الأعيان، وجعلوا الموجود في الأعيان من الحركة موجودًا معًا، لا يوجد شيئًا فشيئًا، ليسلم لهم ما ادعوه من أن رب العالَم لم يُحدث شيئًا، بل لم يخلق شيئًا، بل حقيقة قولهم أنه لم يَحدث في العالم شيء بعد أن لم يكن، وهذا غاية المكابرة.
وإذا أثبتوه فاعلًا كان حقيقة قولهم أنه عِلَّةٌ تامةٌ فاعلةٌ لمعلولها مساويةٌ [له] 1 أزلًا وأبدًا، وهذا من أبطل الأمور عقلًا؛ فليس في الوجود أصلًا علةٌ تامةٌ فاعلةٌ لمعلولها مساويةٌ له، لم تتقدم عليه، بل هذا مما يعلم امتناعه بضرورة العقل عند عامة العقلاء.
ولا يُعقل أن يفعل الفاعل شيئًا إلا إذا أحدث ما كان معدومًا، ومن لم يُحدث شيئًا فلم يفعل، وحقيقة الفعل هو الإحداث، فيلزم من كون كل ما سواه مفعوله، أن يكون كل ما سواه حادثًا كائنًا بعد أن لم يكن، ولا يلزم من دوام كونه فاعلًا أن يكون معه شيء من مفعولاته، ولا أن يكون في العالَم ما هو قديم بقِدَمه، بل هو الخالق لكل شيء، كما أخبرت به الأنبياء.
ولهذا وصفه أئمة أهل الحديث بأنه لم يزل متكلمًا فاعلًا، بل قالوا: إن الحياة مستلزمة للكلام والفعل، وأنه لا يكون الحي إلا متكلمًا فاعلًا، وصرح بعضهم بلفظ «الحركة» .
وكذلك قال أساطين الفلاسفة القدماء، كما ذُكر بعض ألفاظهم في غير هذا الموضع2.