فتبين أنه يمتنع أن1 يكون مع الله تعالى شيء قديم بقِدَمه، وإن جاز وجود حوادث لا أول لها، وإن قُدِّر أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم يزل قادرًا على الفعل، وإن قُدِّر أنه لم يزل فاعلًا أفعالًا تقوم بنفسه، بل لو قُدِّر أنه لم يزل يفعل شيئًا بعد شيء؛ لم يكن في العالَم شيء قديم معه، بل كل ما سوى الله تعالى مخلوق، حادث، كائن بعد أن لم يكن، وإن كان سبحانه لم يزل موصوفًا بصفات الكمال، كما قال أئمة السنة والحديث: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، فاعلًا أفعالًا تقوم بذاته.
فإن من المعلوم بصريح العقل أن من يقدر على أن يُحدث شيئًا بعد شيء أكمل ممن لا يقدر على إحداث شيء. ومعلوم بصريح العقل أن الفعل لا يكون فعلًا إلا إذا حدث بعد أن لم يكن، وأما ما يلزم ذات الشيء لا يكون فاعلًا له، بل يكون صفة له.
ومعلوم بصريح العقل أن الواجب الغني بنفسه لا يفتقر إلى غيره، بل يجب اتصافه بالكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه، فإنه إذا كان ممكنًا جاز اتصافه به، وما جاز اتصافه به وجب له؛ إذ لو لم يجب له لافتقر ثبوته له إلى غيره، فكان يكون مفتقرًا في كماله إلى غيره، وهذا ممتنع في الغني بنفسه؛ ولأن معطي الكمال أحق بالكمال، فلو أعطاه غيرُه الكمالَ للزم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق.
ولا يمكن أن يقال: يمتنع اتصافه بالكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه؛ إذ هو جمع بين النقيضين؛ فإن الممكن الوجود لا يكون ممتنع الوجود.
وأيضًا فاتصاف غيره إن كان ممتنعًا كان ذلك ممتنعًا مطلقًا، والتقدير أنه ممكن كالحياة والعلم والقدرة، وإن أمكن اتصاف غيره به - بحيث يكون متصفًا بصفات الكمال - فمن المعلوم أن الخالق أحق بالكمال من