فإن جاز أن يكون قديم العين أو قديم النوع، جاز في الحِكمة التي يكون الفعل لأجلها، أن تكون قديمة العين أو قديمة النوع، فإن من قال: إنه خالق مكوِّن في الأزل لِمَا لم يكن بعد، وقال: قولي هذا كقول من قال: هو مريد في الأزل لِمَا لم يكن بعد، فقولي بَقِدَم كونه فاعلًا كقول هؤلاء بِقِدَم كونه مريدًا - فحينئذٍ يمكنه أن يقول بِقِدَم ما خلق لأجله وأراد لأجله.
وإذا قيل: هذا ممتنع، فالأول أيضًا ممتنع، والمقصود إلزام هؤلاء الذين يجوِّزون الشيء أو يوجبونه، ويحيلون ما هو مثله أو أَوْلى منه بالجواز أو الوجوب.
ومن قال من المتفلسفة: «إن فعله قديم لمفعول معيَّن» يقول: إن الحكمة قديمة، وإنه لم يزل يلتذ، ومن قال بدوام نوع الفعل، فقوله بدوام نوع الحكمة واضح لا شبهة فيه.
وإن لم يمكن أن يكون الفعل لا قديم العين ولا قديم النوع؛ فيقال: إذا كان فعله حادث العين والنوع كانت حكمته حادثة.
وقوله: «يفتقر كونه محدِثًا لتلك العلة إلى علة أخرى» 1. ممنوع؛ فإن هذا إنما يلزم أن لو قال: كل حادث فلا بُدَّ له من علة. وهم لم يقولوا هذا، بل قالوا: يفعل لحكمة وعلة.
ومعلوم أن المفعول لأجله هو مراد محبوب للفاعل، والمراد المحبوب إما أن يكون محبوبًا لنفسه، وإما أن يكون محبوبًا لغيره، والمحبوب [لغيره2] إنما يكون محبوبًا لأن ذلك الغير محبوب، فلا بُدَّ أن ينتهي3 الأمر إلى محبوب لنفسه.
وحينئذٍ، فمعنى كونه يفعل لحكمة أنه يفعل مرادًا لمراد آخر يحبه.