فإذا كان الثاني محبوبًا لنفسه لم يجب أن يكون الأول كذلك، ولا يجب في هذا تسلسل، ولا يلزم إذا كان المراد الأول مرادًا لغيره أن يكون الثاني مرادًا لغيره.
وهذا لازم لهم؛ فإنهم قالوا: «الخلق هو المخلوق» وخالفوا بذلك صريح العقل والسمع؛ لئلا يستلزم التسلسل، فمن قال: إنه يفعل مفعولًا يريده لمفعول ثانٍ يريده لنفسه، كان أقرب إلى المعقول.
الجواب الثاني: أنه كما أنه خلق شيئًا بسبب، وخلق السبب بسبب آخر، حتى ينتهي إلى أسباب فوقها - فكذلك خلق لحكمة، والحكمة لحكمة، حتى ينتهي ذلك إلى حكمة لا حكمة فوقها.
الجواب الثالث: أن هؤلاء يقولون: كل مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره، وحينئذٍ فلَأَن يجوز في بعض المخلوقات أن يكون مرادًا لنفسه1 أَوْلى وأحرى، ولا يمتنع حينئذٍ أن يكون عند ذلك مرادًا له.
الجواب الرابع: أن يقال: هب أن هذا الأمر يستلزم التسلسل، لكنه يستلزم التسلسل في الحوادث المستقبلة؛ فإن الحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده، فإذا كان بعدها حكمة أخرى لزم حوادث لا آخر لها في المستقبل، وهذا جائز باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها، ولم يخالف في ذلك إلا الجهم وأبو الهذيل.
فإن قيل: فيلزم من ذلك أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدًا.
قيل: بل لا تزال الحكمة المطلوبة تحصل دائمًا، فإن الواحد من الناس يفعل الشيء لحكمة يحبها لنفسها يحصل بها محبوبه، ثم يفعل لحكمة يحبها يحصل بها محبوبه.
فإذا قيل: «إنه سبحانه يفعل لحكمة يحبها يحصل بها محبوبه، ثم يفعل لحكمة يحبها يحصل بها محبوبه» . لم تزل محبوباته تحصل شيئًا بعد شيء، وهذا هو الكمال الذي يستحق أن يوصف به، فإنه لا يزال