قيل: هَبْ أن الأمر كذلك، فما الموجب لاختلاف القوابل، حتى خُصَّتْ هذه الشجرة وهذا الجسم بسبب آخر؟ فلا بُدَّ أن ينتهي الأمر إلى سبب لا سبب فوقه.
فإن قيل: هو شيء صدر عنه، كما تقول المتفلسفة: «لا يصدر عن الواحد إلا واحد، والصادر الأول هو العقل، وصدر عن العقل عَقْل ونَفْس وفَلَك» .
فهذا باطل؛ لأنه إن كان الصادر الأول واحدًا من كل وجه، لم يصدر عنه أيضًا إلا واحد؛ وإن كان فيه كثرة، فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد.
وإن قيل: «الكثرة عدمية» ؛ لزم أن يصدر عن العدم وجود.
ثم يقال: الفَلَك الثامن كثير الكواكب دون التاسع، فما الموجِب لكثرة كواكبه؟
ثم قيل1: السبب الأول إن كان فيه اختصاص بِصِفَة وقَدْر كان تخصيصه بالإرادة؛ لأن التخصيص بذات لا إرادة2 لها ممتنع بصريح3 العقل.
وإن قيل: ليس له اختصاص بصِفَة وقَدْر.
قيل: هذا يقتضي أن يكون وجودًا مطلقًا، والمطلق لا يكون إلا في الأذهان، لا في الأعيان4.