فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 725

ثم قالوا في الموجود الواجب الوجود: «إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق» ، وقد عُلم بصريح العقل أن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج، وإنما هو أمر يُقدَّر في العقل - فعاد الوجود الواجب الذي أَبْدَع العالَم كلَّه، وهو ربه ومالكه إلى أمر يُقدَّر في العقل، لا حقيقة له في الخارج عن الذهن، ولا ثبوت له في نفس الأمر، وهذا عين التعطيل للموجود الواجب الذي شهد به الوجود1 من حيث هو وجود.

فإن الوجود من حيث هو وجود يشهد بوجود واجب الوجود -كما قال ابن سينا وغيره2، وأصابوا في ذلك- فإنه لا ريب أن ثمَّ وجودًا، وأنه إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بُدَّ له من واجب، فثبت أنه لا بُدَّ في الوجود من موجود3 واجب.

فهذا البيان الذي ذكروه في إثبات واجب الوجود حقٌّ واضحٌ مُبِيْنٌ، لكنهم زعموا مع ذلك أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق: لا يتعيَّن ولا يتخصص بحقيقة يمتاز بها عن سائر الموجودات، بل حقيقته وجودٌ مَحْضٌ مطلقٌ، بشرط نفي جميع القيود والمعيِّنات والمخصِّصات [عنه] 4.

وهم يعلمون في المنطق -وكل عاقل تصوَّر هذا الكلام- أن هذا لا حقيقة له، ولا وجود له5 إلا في الذهن، لا في الخارج، فصار الموجود الواجب الذي يشهد به الوجود في الخارج لا يوجد إلا في الذهن!

وهذا من أَبْيَن التناقض والاضطراب والجمع بين النقيضين؛ حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت